سوريا.. أنظمةٌ متكررةٌ وفكرٌ بائد

د. أثير ناظم الجاسور
متناقضان لا ثالث لهما والأهم هنا هي أولاً قصة سكوت الأنظمة السياسية السورية عن تمدد الكيان الاسرائيلي داخل أراضيه والسيطرة عليها، سواء كانت بمراحل الاب والابن، وكذلك اليوم بشكل وطبيعة النظام الحالي، بالتالي الوضع السياسي السوري المضطرب تجاه إسرائيل مر بثلاث مراحل خطيرة عام 1967 والعام 2011 والعام 2024،
من خلال الحديث عن هذه المراحل، لا بد النظر من الأعلى على طبيعة سلوك واجراءات النظام السياسي السوري، بعيداً عن مستويات ومعيار التعامل الداخلي لما لها من وضوح بخصوص خلق هويات نائمة ساعدت على رسم صورة سوريا اليوم في جوانبها الاجتماعية والثقافية، بالمحصلة فإن تأسيس رؤية سورية حول استيعاب المخاطر الخارجية، جاء وفق خشية النظام من التحول الخارجي المؤثر على محركاته السياسية - العقدية، ثانياِ هذه الأنظمة لا تسكت ولا تسامح ولا تغفر للمختلف معها، حتى وإن لم يكن معارضا فكرياً أو رافعاً للسلاح، فهي لا تعرف سوى منهج وعُرف واحد تعفو وتُرسل الاخر إلى المقابر، فحروبها الداخلية أهم لا بل أكثر أهمية من مخاطر خارجية من الممكن أن تتم تسويتها باقتطاع أرض أو استثمار أو السكوت عن قضية إنسانية
مهمة.
رحل الأسد أو سقط نظامه تحصيل حاصل لنظام عزل نفسه بسذاجته، التي منعت ان يكون لسوريا مستقبل، حال كل الأنظمة الدكتاتورية ذات العقل المنغلق، التي تحاول أن تكون نسخة من نفسها والأخيرة لا نسخة أبشع منها، وقبل أن نضع سؤالاً نحاول من خلاله استدراك الواقع السوري الحالي، لا بد من أن نعرف إن التاريخ يحدثنا عما بعد الدكتاتوريات والأوضاع، التي تفرض على الشعوب بعد أن يحل محلها فكراً اكثر رعباً وقسوة، الإجراءات والسلوكيات والخطاب والتطمين والحديث عن الوحدة والواحد الذي لا يقبل التجزئة كلها متطابقات متشابهات لا تختلف الا بالقوة والقسوة المفرطة التي تتضاعف بعد أن يحل الانتقام، والسؤال هنا لماذا تمارس جماعات ما بعد الدكتاتوريات ذات النهج إن لم يكن ألعن في إدارة شؤون دولها؟، ولماذا تمارس ذات المنهجيات القمعية في تعريف والتعامل مع الآخر المختلف؟، مشكلة حركات المعارضة التي تتسلم السلطة بعد الدكتاتوريات تعاقب شعوبها لفرضية أن هذا الشعب هو شعب الدكتاتور، والمتشابه معهم وقود حروبهم الداخلية وخضوعهم الخارجي الذي بالضرورة يتكون هذا الخضوع، من خلال دعم وجودهم واستمراريته من القوى الخارجية، القضية الثانية التجاوب مع متطلبات الدولة فالقادمون يفتقرون لعملية الادارة والتنظيم وتطوير قدرات الدولة وفق رؤية وطنية، وهذا ناتج عن النهج العقدي والوظيفة الفكرية، التي تتحول بمرور الوقت إلى هاجس أساسه البقاء والخوف من الاخر، هذا ما يحدث في سوريا اليوم بكل وضوح مع فقدان أهم التصورات الحقيقية، التي تؤسس إلى نظره أحادية غير منطقية، ما يحدث في سوريا هو من بديهيات متبنيات جماعات عنفية قضت وقتاً طويلا بعمل خارج إطار القانون والأهم القانون الإنساني، ما يحدث في سوريا هو عمل جماعي لإبادة المختلف (دينيا - طائفيا- فكريا) خارج اطار القوانين والانسانية وقضية إدارة الدولة، فالدولة بالنسبة لهؤلاء هي دولة أولئك القادة العالميين المسيطرين القادرين على تقسيم العالم بمشاريعهم، القادرين على خلع نظام وإحلال آخر محله وفق معادلة “الهُم
والنحن”.
سوريا الامس كما هي اليوم تُجسد إنتاج عدم الاستقرار بكل تجلياته تجسد الخطر على الجيران وحتى على داعمي النظام الجديد من القوى العالمية، التي حتماً سيتلكأ مشروعها الشرق أوسطي بعد ان تعود جبهات المعارضة تستحضر قريبها القتالي، والاهم من ذلك سترسم سياسات النظام السوري الحالي خطوطا واضحة لتقارب الجبهات المعارضة من جديد لتجعل من الرأي العربي والشرق أوسطي المؤيد الاكبر لكل الحركات والجبهات، التي ستقاتل هذا النظام وكل داعميه بوجوه
مختلفة.