ما أهمية الجيل الفني الستيني؟

ثقافة 2025/03/10
...

 خضير الزيدي 


تأتي أهمية الجيل الستيني العراقي في أكثر من مكان، ولعل أوسعها انتشارا. إنه جيل محمل بإرث الهوية العراقية وكانت رؤيته تنسجم مع تساؤلات الحداثة والهوية وكيفية اللحاق بالفنون الإنسانية الأخرى، وقد قدم نفر كبير منهم اهتماما بالفن واعتمد التداخل بين الجديد والقديم واتخذ حيزاً واسعاً من الأهمية بالدراسة جراء ما أنجز وبقيت مؤثراته قائمة حتى يومنا هذا. 

وأظهرت أعمالهم بما لا يقبل الشك أنها مبنية على وفق دراسة واتزان وتطورات مع أن منهم من لجأ الى ترك طرائق أسلوبه وبدأ بالتغيير، إلا أن المهم في تلك المرحلة ما تأسس وبني من وعي فني واهتمام متزايد جراء قيمة الفن إنسانيا وإجماليا. 

وفي الحقيقة مثلت تلك المرحلة تحركا واسعا  ليس في العراق وحسب، بل في الغالب من الدول العربية وكان لظهور التوجهات الايديولوجية والثورية والمدارس الفلسفية مساحة من ذلك التأثير في الفنانين، ومن هنا جاءت الآراء مختلفة فقد أولى نفر من الجيل الفني الستيني الاهتمام بالحداثة الغربية والسبب كان واضحا للجميع وهو الانفتاح عبر الدراسة في ايطاليا وفرنسا وبعض الدول الشرقية، وأيضا نتج عن ذلك الدرس بناء قاعدة أسلوبية رصينة كاستثمار لتعليم فن الكولاج والكرافيك. وبات واضحا أن قيمة الدرس في الدول الغربية اعطت للفنان الستيني زخما معرفيا اعانه في انتاج فن حقيقي يواكب مفهومي الحداثة الغربية والتراث المحلي، وبالتالي مهدت المرحلة لظهور أسماء مهمة مثل شاكر حسن ال سعيد وجواد سليم ومحمد مهر الدين ورافع الناصري وضياء العزاوي، وحتى لا نجانب الحقيقة ثم اسماء برزت غيرهم حققت منجزا مهما اعتنت بالحروفيات كجزء من بناء جمالي وأيضا حضر النحت والخزف ولمسنا عبر قراءة تاريخهم الفني. إن الغالب منهم استهوته أنماط الحداثة الغربية فيما شرع قسم منهم ليجد خطا يزاوج فيه بين الاثنين أو يلجأ لاستلهام التراث المحلي، ومع كل ذلك نتساءل ما القيمة التي تركها كإرث لنا هذا الجيل؟ 

تبدو قيمة الفنانين من تلك المرحلة أنها استوعبت الايديولوجية لدرجة أنها دعت لإصدار بيانات وتكوين جماعات فنية تلتقي في خطاب معين وحافظت على سياق عمل يلتزم بالمعايير الفنية والجمالية مع وجود نزعة داعية للحداثة وتأسيس خطاب لفن يجابه الكثير من الأغراض كما حدث مع ضياء العزاوي، حينما لجأ لإعادة قراءة المشهد الفني العراقي القديم، وخاصة ما تعلق بالنحت الاشوري وحدث الأمر من وجهة نظر أخرى مع الاهتمام بالحروفيات مثل الفنان جميل حمودي كشكل جمالي يتفرد في حركته ومرونته أو ما تم انجازه على يد رافع الناصري من اهتمام بالجانب التصميمي واللجوء لفن الكرافيك مع الحفاظ على وحدة نص بصري يليق بتجربته وتفرده وهناك في جانب آخر ما انجزه شاكر حسن ال سعيد من الرسم التشخيصي إلى الرسم اللا شكلي وطرح الجوانب الفكرية في خطابه التنظيري

 والعملي. 

لكن لو أعدنا فهم منجزهم الآن من وجهات نظر مختلفة فأننا سنلتقي في جانب نتفق عليه جميعا بأن الستينيين وثقوا لمراحل ابداع عراقي حقيقي مهما تعاظمت فيه الخيبات والمقاربة مع الفن الغربي المهم هناك يقين في استثمار الفن جماليا وإنسانيا. 

هل ينطبق مفهوم الابداع على الجميع؟

حتى نجيب على هذا التساؤل سنحتاج لقناعة راسخة بأن الجيل الستيني بكل تحركات أصحابه كان مندمجا مع النزعة الحداثوية فقد تواضع منهم من اخرج لنا فنا يعيد للأذهان قيمة التراث الشعبي والفلكلوري وطرح هويته المحلية ومنهم من اخفاها من عمله ولجأ للتعامل مع تجليات الشكل وغرائبيته، ومنهم من حاصر نفسه بسياقات ثابتة لم يخرج منها حتى أنه ادخل المدونات الحكائية في عمله. وبما أن خطاب الفن الستيني مختلف فقد تختلف آراؤنا وتصوراتنا وتبقى فكرة تقييم عمل هذا الفنان مع غيره مسألة نسبية لن ندركها إلا بما ينسجم مع تصورات كل متلقي منا.