تسويق الخراب الثقافي

محمد صابر عبيد
هل يمكن الحديث عن فكرة تسويق الخراب الثقافيّ بوصفها فكرة استراتيجيّة تنهض بها مؤسسات كبرى ترعى هذا الخراب وتسوّقه ببرامج كبيرة؟ أيمكن أن يحصل هذا في ظلّ تراجع هائل ومخيف لكل عنصر حضاريّ ممكن أو محتمَل يحيط بنا؟
لا شكّ في أنّها فكرة أساسيّة في توطين معالم الخراب في المجتمع عن طريق شبكة من الأساليب والإجراءات والسلوكيات، التي يسهم في إعدادها وتنظيمها وترتيبها أشخاص مُعدّون إعداداً خاصّاً لهذه المهمة الخطيرة المدمّرة، وتتجلّى في صور كثيرة من أبرزها تقديم غير المؤهّل كي يأخذ مقام المؤهّل ويتسيّد موقع القيادة، ودفع العناصر الرديئة إلى الواجهة لإزاحة العناصر الناجحة وتهميشها ونفيها خارج دائرة الحدث، وتسخير كلّ ما أمكن من أدوات وذرائع لها سلطة مفروضة على المجتمع لفرض أجندات قاهرة تدفع باتجاه تحقيق أهدافها.
إنّ مراجعة بسيطة لما آلت إليه الثقافة العربية في مفاصلها كافّة؛ وإنّ تقويماً عاماً للحراك الثقافيّ في مجتمعاتنا من أبسط الحلقات إلى أعقدها، يمكن أن تكشف لنا جوهر فعاليّة الخراب التي تعمل بكفاءة عالية من أجل إحلال مفاهيم جديدة رديئة، تعمل على دحر الأصالة وتفتيت الجوهر ومحو فكرة الجمال واقتلاعها من جذورها، والانتقال بالمفاهيم الثقافية إلى أردأ مستوى يسهم في تعميم الجهل وتكريس الغباء وتداول النماذج السيئة في المجالات كلّها، إلى الدرجة التي تُوهم الناس بأنّ هذه النماذج هي التي تعبّر عن الحالة الحضاريّة الراهنة؛ داخل منظومة تسويق لها ماكنات رهيبة تسحق ما يقف أمامها من محاولات لردعها، بما تمتلكه من طاقات ساحقة وباطشة تجعلها تندفع نحو أهدافها بلا عوائق كبيرة.
تتحرّك هذه الرؤية بأنساق خضعت لإعداد عالي المستوى من أجل توفير كلّ فرص الإقناع والحجاج الممكنة؛ نحو فرض فضاء مكوّن من مفردات لا قيمة معرفية أو ثقافية أو فنية أو أدبية لها، يجري رفع شأنها إلى أعلى قيمة بحيث تتصدّر المؤتمرات والندوات والحلقات الثقافية والأنشطة المختلفة، وتصول وتجول على أنّها النموذج الأمثل القادر على تقديم الفائدة والمتعة والمعرفة في أعلى درجاتها، بينما لا يجد المتابع - في أقلّ مستوى ممكن من المعرفة- سوى مجموعة من الهذيانات والأوهام والطروحات المضحكة، فهم يهرفون بما لا يعرفون في معرض تسويق أشكال الخراب التي تحوّلت بحكم هذا الواقع إلى معارف مسمومة، ويكمن الخطر هنا حين نجد أجيالاً جديدة تتربّى على هذه الأسمال المزركشة بالخراب، ولا تدرك أنّها ضحية خراب منظّم سبق له وأن اغتنى وأثرى فرسانه من وراء تسويقه، وتحويله إلى سلعة رائجة لا تحتاج سوى تفاعل بسيط لا علاقة له لا بالفكر ولا بالثقافة ولا بالأدب ولا بالفن، في تمكين راسخ للكسل وإهمال الحواس وتجاهل التفكير ومحو أبسط درجة من درجات البحث عن
الجمال.
تجتهد هذه الحملة المنظّمة ضمن فرض قوانين الخراب وتسويقها في صرف النظر عن الأخطاء والأغلاط والخطايا والجرائم الثقافيّة بشتّى أنواعها؛ وجعلها في مقامات النموذج الصحيح والقويم والمهيمن، وحين يضطرب الجوّ الثقافيّ والمعرفيّ إلى هذه الدرجة من الفوضى يكون دفاع المثقّف الحقيقيّ عن الحقّ باطلاً، وتكون البسالة من أجل إعادة المياه الصافية إلى مجاريها ضرباً من الحمق والمجازفة بالحياة، فيضطّر هذا المثقف الحقيقيّ -بعد أن يشعر بالقهر والخذلان والتهميش- إلى التراجع والانكماش، وتتحوّل ثقافة المجتمع إلى تفافة طارئة ومرتجَلة وطاردة لكلّ ما هو جميل وحرّ وأصيل.
تتحرّك هذه الثورة الرجعيّة -التي تخطّط لتسيّد الأميّة والجهل والغباء والفساد وكلّ مقوّمات الخراب الأخرى- في اتجاهات عديدة، تدعمها آلات رهيبة بقوّة ضاغطة لا سبيل إلى إيقافها أو التقليل من رعونتها وسفالتها وسلطتها، تسعى بما أوتيت من قوّة إلى الدفع باتجاه احتواء الأشخاص الناقصي الإعداد والمعرفة والتثقيف والتعليم، ودفعهم إلى الواجهة بمسمّيات كثيرة وألقاب مزيّفة وحالات مُريبة كي يتمكّنوا من احتلال المواقع الرئيسة، ومن ثمّ يتكرّس وجودهم في أعلى الهرم شيئاً فشيئاً إلى الدرجة التي يظنّ فيها كثيرون أنّه الحقّ ولا حقّ غيره، وربّما هذه هي المرحلة الأخطر من مراحل تسويق الخراب.
المشكلة الكبرى في هذا السياق أنّ هذا الخراب بلغ مبلغه في الأوساط الثقافيّة والأكاديميّة التي تتصدّر الفضاء الثقافيّ وتنتجه، إذ إنّ الخراب في مجالات اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وغيرها يمكن معالجته بسرعة بمجرّد توفّر الأيادي النظيفة؛ ووصولها إلى مواقع القيادة في هذه الأوساط بفرض تقاليد وقوانين وأعراف جديدة قادرة على إعادة الأمور إلى نصابها بسرعة معقولة، غير أنّ الخراب في مجال المعرفة والثقافة والأدب والجمال -وهو مجال يتعلّق بالجانب الروحيّ الإنسانيّ العميق في تشكّله وتأثيره- هو الخراب المكين الذي لا يمكن إصلاحه بسهولة لفرط تدخّله الضارب في جذور الأشياء، وقد يحتاج إلى عقود كثيرة لرأب هذا الصدع الخطير المؤثّر في مفاصل الفضاء الاجتماعيّ الثقافيّ الحضاريّ كافّة.
لعلّ رصداً محمّلاً بانتباهات عالية للمشهد الثقافيّ الذي نعيشه الآن يقودنا بسهولة ويُسر إلى أن نتلمّس آفاق هذا الخراب، وهو يبلغ مستويات عالية ويحلّ ضيفاً مشوّهاً على طبقات الثقافة بمجموعها؛ من دون أن يترك طبقة واحدة ولا يزورها ويحلّ في ربوعها سيّداً يخدمه الجميع، فمن يستطيع بإزاء هذا الوضع المريب أن يحافظ على رباطة جأشه ولا يتورّط في الانضمام بشكل أو آخر في حفل الخراب هذا، لأنّ البديل الوحيد هو الانكفاء إلى الداخل واختيار العزلة سبيلاً أوحد لتقليل زخم التأثير الضاري، والاكتفاء بالذات بديلاً عن هوس الخراب الذي يعصف بالخارج ولا سبيل إلى مقاومته
أو إيقافه.