أ.د عامر حسن فياض
تعد العولمة قضية جوهرية لسببين الأول هو أنها حاسمة لمستقبل الديمقراطية الاجتماعية، فإذا كان مؤيدو أطروحة العولمة على حق، يكون مصير الديمقراطية الاجتماعية الفشل، والثاني هو أن أي دراسة لقضية العولمة تسلط الضوء على المسائل النظرية الشمولية الدقيقة في العلوم الاجتماعية وعلى العلاقات بين المادي والفكري، وعليه لا بدَّ من معاينة الادعاء أن العولمة تقيد بشدة استقلال الدولة. والعولمة كمفهوم، شديدة الرواج ومحل اختلاف كبير في الوقت نفسه، ومع ذلك يمكن التعرف على خمس مدارس فكرية منفصلة في المؤلفات التي تتحدث عن العولمة: أطروحة العولمة الفائقة، والأطروحة التشكيكية وأطروحة العولمة المعقدة، والأطروحة المؤسساتية الجديدة والأطروحة الاحتكارية.بالنسبة لأطروحة العولمة الفائقة يرى أصحابها أن العالم الذي نعيش فيه اليوم مختلف عن قبل خمسين عاما، فاذا كانت الدولة القومية قد هيمنت على خريطة الاقتصاد العالمي يوما، فإن العالم اليوم بات بلا حدود وأن الحركة الكثيفة للبضائع ورؤوس الاموال والعمالة والمعلومات، تتم من دون عناء عبر الحدود الوطنية الامر الذي يضعف دور الحوكمة الوطنية، ويجب على الحكومات عدم التدخل في الاقتصاد لان العولمة افضت إلى نهاية الدولة القومية. اما الأطروحة التشكيكية، فيرى أصحابها أن عالم اليوم ليس شديد الاختلاف عما كان عليه حتى قبل قرن، كما يشكك التشكيكيون في المزاعم التي تقول أن العالم اليوم (بلا حدود)، وأن رؤوس الأموال والبضائع وحتى المعلومات لا تتحرك تلقائيا من دون عناء عبر الحدود الوطنية. عليه فإن الاقتصاد العالمي لا يزال أبعد ما يكون عن الاقتصاد المعولم، وأنه، في المقابل، يبقى اقتصادا دوليا مفتوحا مميزا بشكل أساسي بمبادلات بين اقتصادات وطنية منفصلة نسبياً، وهذا، بالتالي، يعني أن المزاعم التي تقول إن الدولة القومية آخذة في الانحسار سابقة لأوانها. أما أطروحة العولمة المعقدة فيجادل أصحابها بالتأكيد على أن علينا عوضا عن اعتبار العولمة امراً حصل ينبغي اعتبارها امراً يجري حصوله. وبالتالي يرى هؤلاء أن العالم اليوم مختلف عنه قبل قرن مضى لكن ذلك لا يعني ان العالم بلا حدود. ورغم أنه يخضع لتحول متشعب، لكن ذلك مختلف تماما عن التحول الاقتصادي الذي تصوره المنظرون العولميون الفائقون. فالعالم يحتضن مروحة واسعة من التغييرات على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية لذلك، فالعولمة مجموعة عمليات معقدة وليست حصيلة ربما لا يكون العالم معولما لكنه في طور التعولم. واذا كان الاطروحة المعقدة قد اثبتت تأثيرها الكبير في المؤلفات المتصلة بالعولمة فإن الأطروحة المؤسساتية الجديدة وأصحابها يهدفون إلى إعادة المؤسسات لدراسة العولمة ودراسة الرأسمالية عموما ويجادل هؤلاء انه اذا كانت الدول تواجه ضغطاً فإن وجود بيئات مؤسساتية ودستورية مختلفة يعني انها تحقق نتائج مختلفة وأن المؤسسات المحلية تستطيع الرد على التحديات الجديدة وانجاز مهمات جديدة. لذلك يزعم المؤسساتيون الجدد أن العولمة ربما تخدم في تمكين الدولة القومية، وليس تقييدها، وأنه بسبب العولمة وليس على الرغم منها واصلت الدول الديمقراطية الاجتماعية نموها. وعلى هذه الاسس يتفق المؤسساتيون الجدد مع التشكيكين على وجود مجال واسع للتدخل الحكومي في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، لكن ذلك لا يقودهم، بخلاف التشكيكيين، إلى رفض العولمة بصفتها خرافة لكنهم يرون ان العولمة متلازمة مع تباعد متواصل بين النظم الليبرالية السوقية والديمقراطية الاجتماعية، وبهذا المعنى لا تزال العولمة قوة دافعة نحو التغيير.وعلى غرار محاولة المنظرين للعولمة المعقدة تقويم العولمة سعت مجموعة اخرى من المؤلفين إلى التشكيك في العولمة مع توضيحها اعتماداً على مقاربة مختلفة عن مقاربة منظري العولمة الفائقة والمنظرين التشكيكيين ومنظري العولمة المعقدة والمؤسساتيين الجدد. وهذه المجموعة هي صاحبة أطروحة العولمة الافتكارية، التي زعمت انه ينبغي عدم الاقتصار على معاينة العولمة من منظور وجودها من عدمه، بل يجب النظر اليها من منظور افتكاري أيضا اي بدلالة فكرة العولمة مقارنة بحقيقتها المادية. اخيراً ينبغي إلا نصرف انتباهنا عن حقائق اساسية تتصل بالعولمة أولها هي حقيقة انكشاف جميع الدول امام الضغط الاقتصادي الدولي اي غير المحلي. والحقيقة الثانية أن جميع الدول معرضة بطرائق مختلفة وبنسب مختلفة لضغط اقتصادي خارجي لذلك المهم لدى معاينة كل دولة هو وضعها وليس الصورة العالمية الاجمالية. والحقيقة الثالثة تؤكد أن وقع نتائج السياسات ليس تلقائيا ذلك أن وقع الضغط الاقتصادي الخارجي على أي دولة يصاغ بوساطة البنى المؤسساتية الاقتصادية والسياسية في تلك الدولة أو بوساطة تصورات صناع السياسة لمدى انكشاف الدولة أمام القوى الدولية والقيود البنيوية الاقتصادية والسياسية.
عليه فان تجويف الدولة وتفريغها من عذرية الاستقلال بسبب العولمة هو زعم مبالغ به. فالدولة لا تفقد استقلاليتها ولا تصبح بلا حدود اذا كانت شريكة مساهمة في العولمة.