بغداد وانقرة... ماذا بعد مبادرة أوجلان؟

آراء 2025/03/19
...

 عادل الجبوري*

 

 أثيرت العديد من التساؤلات، وانفتحت الابواب واسعة للكثير من الجدل والسجال في أوساط ومحافل سياسية وامنية مختلفة عن مسارات العلاقات العراقية- التركية وملفاتها الشائكة بعيّد الإعلان التأريخي لزعيم حزب العمال الكردستاني التركي المعارض(PKK)، القابع في سجن انفرادي منذ ستة وعشرين عاما في جزيرة ايمرالي، عبد الله أوجلان، بحلّ حزبه والدعوة إلى القاء السلاح، بعد اكثر من أربعة عقود من الكفاح المسلح، ذلك الإعلان الذي مثل تحولا كبيرا وانعطافة مهمة في مسار العلاقة بين هذا الحزب والسلطات التركية الحاكمة، فضلا عن كونه- في حال تحقق- سوف يفضي إلى إعادة ترتيب الأوراق في رقعة جغرافية واسعة شهدت صراعات ومواجهات دامية، ازهقت وسفكت فيها الكثير من الأرواح والدماء.  لاشك ان قرارا من هذا القبيل، لابد أن تكون له انعكاسات وارتدادات على قوى كردية واطراف إقليمية مختلفة، وربما كان العراق من بين ابرز المعنيين أو المتأثرين بحلّ حزب العمال، وطوي صفحات خيار استخدام السلاح والركون لخيار السلام.  ولأسباب وظروف وحقائق جغرافية وامنية وسياسية، كان العراق منذ وقت مبكر، ومن دون ارادته، جزءا من ميدان الصراع والمواجهة المسلحة بين الدولة التركية وحزب العمال. فقادة الحزب ومؤسسوه، وجدوا في منطقة جبال قنديل الواقعة في المثلث الحدودي العراقي-التركي-الإيراني، الخيار الانسب جدا ليكون قاعدة وموطيء قدم للحزب، يمكن الانطلاق منها للدخول إلى الجغرافية التركية من جهة الجنوب.  ونظرا للطبيعة الجبلية الوعرة لتلك المنطقة، لم يكن ممكنا للجيش العراقي بسط نفوذه عليها بالكامل، وكذلك لم يكن ممكنا للجيش التركي وضع اليد عليها والتحكم بها.  والشيء الآخر، إن انشغال النظام العراقي بحربه ضد ايران في ثمانينيات القرن الماضي(1980 - 1988) وصراعه من القوى الكردية المعارضة له، والاضطرابات السياسية في تركيا بفعل الانقلابات العسكرية وتداعياتها حينذاك، كل ذلك اتاح لحزب العمال تكريس وتوسيع وجوده العسكري في شمال العراق، وبالتالي خلق مزيد من عدم الاستقرار هناك، الذي دفع انقرة إلى العمل والتخطيط على محاصرته وتطويقه ومنعه من تهديد الامن القومي التركي، عبر اتفاقيات مع الحكومة العراقية اتاحت لها الدخول في عمق الأراضي العراقية لملاحقة عناصر وتشكيلات الحزب.   ومع مرور الوقت، وضعف نظام الحكم العراقي بعد حرب تحرير الكويت في عام 1991، وخضوعه للحصار والعقوبات، وخروج محافظات الشمال الثلاث من سطوته وفقا لارادات دولية، وجد كل من حزب العمال وتركيا الظروف مواتية للتمدد وترسيخ وجودهما على الأراضي العراقية. ومن ثم جاء اسقاط النظام العراقي وخضوع العراق للاحتلال والهيمنة الأميركية في عام 2003، وفيما بعد، ظهور التنظيمات الإرهابية، كالقاعدة في عام 2005، ثم داعش في عام 2014، ليصبح جزء من الأراضي العراقية ميدانا لصراع مسلح متواصل بين تركيا والحزب، واكثر من ذلك، لم يعد ميدان الصراع منحصرا بمنطقة جبال قنديل ومحيطها الجغرافي الضيق، بل انه امتد ليصل إلى مساحات من محافظات السليمانية واربيل ونينوى، وربما محافظات أخرى، بحيث بات الـ(PKK)، يملك مقرات سياسية وعسكرية عديدة، ونفس الشيء بالنسبة لتركيا التي أنشأت خلال العقدين المنصرمين عددا لايستهان به من القواعد العسكرية الدائمة وغير الدائمة في العراق، ناهيك عن المقرات الاستخباراتية. كل ذلك تسبب بمزيد من التأزم في العلاقات بين بغداد وانقرة، وانعكاس العمليات العسكرية التركية المتواصلة في داخل حدود الجغرافية العراقية على ملفات تقاسم المياه، والوضع السياسي العراقي المتسم بقدر من الارتباك نتيجة التقاطعات بين قواه السياسية الممثلة لمكوناته المختلفة.  إزاء كل ذلك، وعلى ضوء قرار أوجلان الأخير بحلّ حزبه والتخلي عن السلاح، هل ستتجه تركيا إلى الانسحاب من العراق، والتأسيس لمرحلة جديدة من العلاقات 

معه؟.  

رغم انطلاق الدعوات من قبل قوى وشخصيات سياسية عراقية لتركيا بإنهاء تواجدها العسكري الكبير في العراق، ارتباطا بمبادرة أوجلان، إلا أن هناك من يرى أن الوقت ما زال مبكرا جدا لاتخاذ مثل هذه الخطوة، لأنه لم يتضح إلى الان موقف قيادة حزب العمال المتواجدة في الميدان لا القابعة في السجن الانفرادي التركي تحت قبضة أجهزة ورجال الامن. ولم يتضح بعد فيما اذا كان كل عناصر الحزب بمختلف مستوياته، سيلتزمون بقرار زعيمهم الروحي ومؤسس حزبهم، ام ستتقاطع المواقف والاراء وتتصادم التوجهات؟، ولم تتضح حتى الآن مواقف فروع الحزب المتواجدة هنا وهناك، مثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في سوريا 

وغيرها؟.  

هذا من جانب، ومن جانب آخر، من يقول إن تركيا في توسعها وتمددها العسكري والاستخباراتي والسياسي داخل العراق، كانت تهدف فقط إلى ملاحقة حزب العمال والمحافظة على أمنها القومي دون أي اهداف أخرى؟، في وقت برزت وتبرز بإستمرار الكثير من الدلائل والمؤشرات على انها-أي تركيا-تسعى إلى استعادة امجاد الامبراطورية العثمانية، وتعتبر إعادة ضم محافظتي كركوك والموصل العراقيتين من بين اهم أولوياتها في هذا السياق.  وبما ان مجمل القراءات تذهب إلى ان حسم واغلاق ملف حزب العمال، اذا كان ممكنا، فهو يتطلب وقتا طويلا وخطوات متعددة، فهذا يعني انه على المدى المنظور، ستبقي تركيا على وجودها العسكري في العراق كما 

هو.

 بيد أن المطلوب من الحكومة العراقية العمل والتهيئة للمرحلة أو المراحل المقبلة، وترتيب الأوراق بنسق اخر، لوضع مطلب أو خيار انهاء التواجد التركي في مقدمة المطالب والخيارات، وربطه بالملفات الاقتصادية والتجارية والأمنية بين بغداد وانقرة، كمشروع طريق التنمية، والاستثمارات الواسعة لعشرات الشركات التركية في السوق العراقية بمختلف القطاعات، وتنسيق المواقف في بيئة إقليمية مضطربة دوما، تتداخل وتتشابك فيها المصالح والحسابات 

والتوجهات.