ترامب والأمم المتحدة

آراء 2025/03/19
...

 طالب سعدون

 

أخذ العالم خطوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد التنصيب على محمل الجد، ولم يتعامل معها على أنها (بالونات اختبار انتخابية) أو (ألعاب نارية أو هوائية) لتزيين الحفل والمراسم أو الاثارة الظرفية كما هي عادة بعض الرؤساء على أمل أن تُنسى (وعودهم) بمرور الزمن وتوالي الأحداث والمستجدات وتغيير الظروف.يبدو - وهو الراجح في تقديري - أنها برنامج أمريكي وليس فرديا (ترامبيا) رسمه للعالم الجديد وليس لأمريكا  فقط للمرحلة المقبلة، لتغييره - وبالذات نظامه - الذي سار عليه بعد الحرب العالمية الثانية من اجل هدف لم يخفه بل أعلنه جهارا نهارا.. أمريكا  أولا وكل شيء في هذا الكون من اجلها بما في ذلك موارده لذلك يفرض عقوبات هنا وهناك أو يفرض رسوما لم يعتد عليها المتعاملون مع أمريكا  (دون تحسب لنتائجها السلبية على الشركات الأمريكيَّة) أو يطمح بمعادن ثمينة ينافس بها اخرين أو تكون له السيطرة فيها وطرحه مبدا اقتصاديا جديدا في السياسة الخارجية (الاقتصاد مقابل السياسة).لذلك لم يأخذ ترامب في حسابه ردة الفعل من العالم والمعنيين في ما قاله صراحة عن (كندا وغرينادا وبنما والمكسيك وريفيرا غزة)، وكأنها سلع في سوق تجارية أو عقارات في مكاتب (الدلالين) أو مزاد يفوز فيه من يدفع أكثر أو أرض مباحة لا مالك لها. يبدو أن ترامب بخطوات متسارعة يريد أن يتخلى عن بقايا النظام العالمي التقليدي الذي تشكل برأسين هما (أمريكا والاتحاد السوفيتي) وبإمكانه أن يؤسس نظاما جديدا بعد أن انفردت أمريكا  لوحدها بانتهاء الاتحاد السوفيتي، وتحول إلى نظام القطبية الواحدة وإن ظهرت قوى إلى جانبها مثل الصين وروسيا ودول أوربية لكن أمريكا  لا تزال تمتلك إلى الان مقومات القوة (الخشنة والناعمة). 

 لذلك يبدو ترامب في عجالة من أمره في ما اقدم عليه من خطوات قد تفضي إلى اقامة هذ النظام الدولي الجديد يتخلى فيه عن سياسة أمريكا، التي اعتادت عليها وعرفها العالم بها وقوتها التقليدية القائمة على التحالفات ومبادئ سارت عليها على تعاقب رؤسائها.. بينما يطالب ترامب اليوم بنقيضها تماما ويطرح على سبيل المثال مبدا أمريكيا جديدا وهو تقليل كلفة السياسة الخارجية أو بعبارة اقتصادية مباشرة (المال مقابل الحماية)، وكـأنه سلعة وباثر رجعي كما فعله مع أوكرانيا حيث طالبها بـ (350) مليار دولار مساعدات سبق ان قدمتها أمريكا  لها في حربها مع روسيا.واذا كانت لأمريكا  مصلحة اقتصادية في اتفاق المعادن الثمينة مع أوكرانيا فإنها ستجعل لها مصلحة مباشرة في امن أوكرانيا وهو ما أوضحه وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو مباشرة بدون لف أو دوران بقوله (اذا كانت للولايات المتحدة مصلحة اقتصادية في الاتفاقية تؤمن ايرادات لشعبنا اضافة لشعب أوكرانيا ستكون لنا مصلحة مباشرة في حمايتها)، على حد تعبيره وإن أحجم روبيو عن اعتبارها بمثابة الضمانات الأمنية التي تطلبها (كييف) من الغرب، لكنها مؤشر آخر على تطور جديد في السياسة الأمريكيَّة ضمن المبدأ الذي أشرنا اليه والانفراد دون التشاور مع دول أوروبا والناتو، التي طالبها ترامب بزيادة انفاقها العسكري (خمسة بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي) على الدفاع، وهي رسالة واضحة لأوروبا ايضا ان البقاء في حلف الناتو والتعاون في مسالة الدفاع وسياسة الحلف ستصبح مرتبطة مستقبلا بإرادة واشنطن ان وافقت على ذلك وهو أمر يصعب على أوروبا قبوله. إن تصريحات وخطوات ترامب قد تؤدي بأمريكا  إلى تغيير وجهتها من أوربا والناتو إلى أوكرانيا وروسيا، وهو ما تجلى مبكرا بوضوح في المفاوضات الأمريكيَّة الروسية، التي رعتها السعودية دون التشاور مع الاوروبيين.. وقد يعكس ذلك توجها جديدا في أمريكا  يقوم على المصالح وليس المبادئ ولا الأيديولوجيات.. وهو مبدأ تعمل به كل الدول، إلا أن الجديد هو ان ترامب جاء بمنهج امريكي جديد قد تؤدي خطواته المتتابعة إلى بناء نظام عالمي جديد على انقاض النظام التقليدي، يلغي الأمم المتحدة نهائيا لأنها من مخلفات النظام القديم، خاصة أنه أقدم على خطوات كثيرة تضعف دورها، منها تعامل أمريكا  مع المنظمات الدولية مثل اليونسكو واتفاقية باريس للتغيير المناخي ومحكمة العدل الدولية ومعاقبتها وهي ضمان العدالة الدولية ومنظمة الصحة العالمية وإضعاف الناتو، وحديث ترامب مع الرئيس الاوكراني زيلنسكي والمشادة بينهما على الهواء في البيت الابيض، وغيرها الكثير يدفع المراقب إلى الاعتقاد باحتمال ان المقصود ليس رئيس أوكرانيا وثروات بلاده فقط، بل هو خطاب (ترامبي) إلى كل العالم بأن منهجا جديدا سينشأ في العالم على انقاض القديم مما يجعلنا امام تحول خطير لا نعرف أين موقعنا (كعرب ومنطقة) من هذا الاحتمال القائم على انفراد القوة و انعدام الامن والسلم الدوليين وهو مبدأ قامت عليه الامم المتحدة، وقد عطله الفيتو الامريكي كثيرا عن اتخاذ قرارات عديدة، ومنها قضية فلسطين فكيف سيكون الحال اذا انفردت أمريكا  بالعالم الجديد؟

إن فريقًا من رجال الأعمال وفي مقدمتهم ايلون ماسك ربما شجعوا ترامب على السير بهذا الاتجاه (وربما ستكون خسارتهم المادية الشخصية كبيرة إن استمر ترامب في هذه السياسة)، لكن بالتأكيد هناك من يعترض على هذا التوجه كما لخصه توماس فريدمان الكاتب الامريكي البارز في مقاله الاسبوعي بصحيفة نيويورك تايمز بعنوان (انهيار كبير يجري على قدم وساق) بقوله إن ولاية ترامب الثانية لن تصيب نجاحا في السنوات الأربع المقبلة.. مشددا على طبيعتها الفوضوية وافتقارها إلى التماسك، وهو وحده من يتحمل الاخطاء التي ترتكبها ادارته في شتى القضايا.. من التعامل مع أوكرانيا والرسوم الجمركية والرقائق الالكترونية وغيرها. ويبدو أن ملامح الانهيار الذي أشار اليه فريدمان جاء سريعا وذلك بخسارة الاسهم الأمريكيَّة، اذ بلغت في أول 52 يوما من حكم ترامب 8 ترليونات دولار وهذا يعادل حجم اقتصاد المانيا وبريطانيا في عام فيما خسر 5 مليارات كانت حاضرة في مراسم تنصيب ترامب ما مجموعه 209 مليارات دولار من ثرواتهم الشحصية بعد 7 اسابيع من تنصيبه. وربما يكون القادم ليس كما كان يتوقعه ترامب في خطواته السريعة.  فأين يسير ترامب بأمريكا والعالم؟ ذلك ليس بيد ترامب بل بيد الشعوب وارادتها وقادتها.. وهل سينجح في إنهاء الأمم المتحدة؟ ذلك محال ايضا خاصة بعد أن اكتوت الشعوب بنار الانفراد 

الأمريكي.