جواد علي كسار
من الثابت أن القرآن نزل في ليلة القدر من شهر رمضان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: 185) وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: 1) كما أيضاً: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (الدخان: 3) إذ جاء في الحديث الشريف فيمن سأل عن الليلة المباركة هذه: "نعم، ليلة القدر، وهي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلا في ليلة
القدر".
فإذن ليلة القدر في شهر رمضان، وهي ليلة واحدة، تتكرّر بتكرّر السنين، يترقبها المسلمون أجمع في مشارق الأرض ومغاربها، ويتحرّونها مذ كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي قلب شهر رمضان: "فغرّة الشهور شهر الله عز ذكره، وهو شهر رمضان، وقلب شهر رمضان ليلة القدر".
وفي النبوي الشريف، أنها: «إلى يوم القيامة» ولو: "رُفعت ليلة القدر لرُفع القرآن".
على ضوء ذلك كله، ما معنى الكلام عن ليالٍ ثلاث لليلة القدر، هي ليالي تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين؟ مرّة أخرى؛ ليلة القدر واحدة لا تتعدّد ولا تتكرّر في السنة القمرية الواحدة، وإنما الكلام عن ليالٍ أُخر، هو بمنزلة المقدّمات لتلك الليلة، أو من لوازم إصابتها والتوفيق لها.
لو أخذنا مثالاً من حياتنا اليومية هو السفر، إن المسافر يحتاج في مقدّمات سفره، إلى جواز سفر، وتأشيرة، والذهاب إلى المطار وما إلى ذلك، ومع هذا فهذه الخطوات ما هي إلا مقدّمات لحصول السفر، وليست هي السفر، إنما السفر هو لحظة واحدة؛ هي لحظة مغادرة البلد، وهذه مقدّماته أو لوازم تحققه. كذلك الحال بشأن ليلة القدر، فهي ليلة واحدة
لا تتعدّد.
من أروع ما جاء عن أهل البيت في تأكيد هذا المعنى، وأن دور بقية الليالي؛ هو دور المقدّمة والمعدّ، هو قولهم: «التقدير في ليلة تسع عشرة، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين». بتعبير من حياتنا اليومية، إن الإنسان المسلم يقدّم في ليلة تسع عشرة «معاملته» فيتمّ إبرامها في ليلة إحدى وعشرين، حتى إذا ما كانت ليلة ثلاث وعشرين المرجوّة أن تكون هي ليلة القدر، فيتمّ «الإمضاء» لتكون ليلة القدر واحدة، وبقية الليالي «معدّات» و«مقدّمات» لها
وحسب.
في رواية توضيحية أخرى، نقرأ: «في ليلة تسع عشرة يلتقي الجمعان، وفي ليلة إحدى وعشرين ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وفي ليلة ثلاث وعشرين يُمضى ما أراد الله عز وجل، وهي ليلة القدر التي قال الله عز وجلّ: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. يستوضح الرجل: ما معنى قوله: «يلتقي الجمعان»؟ قال الإمام الصادق: «يجمع الله فيها ما أراد من تقديمه وتأخيره وإرادته وقضائه، قلت: فما معنى يمضيه في ثلاثٍ وعشرين؟ قال: إنه يفرقه في ليلة إحدى وعشرين ويكون له فيه البداء، فإذا كانت ليلة ثلاث وعشرين أمضاه، فيكون من المحتوم».
وكأن الإنسان يقدّم معاملته إلى ربّه ويرفعها بين يديه ليلة (19)، فتنظر الملائكة بتفصيلاتها وتدقّق بها ليلة (21)، حتى إذا ما كانت ليلة القدر المرجوّة، ليلة (23) يكون إمضاء الله
سبحانه.
لذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على أن يكون له حضورٌ واسمٌ في الليالي الممهدات، حتى يفوز بعطايا الله ومواهبه في ليلة القدر.