وحشة طريق الحق

آراء 2025/03/20
...

 أ.د. عبد الواحد مشعل


لذكرى استشهاد إمام المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام، دلالات ورمزية ومعانٍ لا يفقهها إلا المؤمنون، فالقيم العليا والمبادئ الحقة لا يحملها إلا الذين سلكوا طريق الحق، فالأمة التي لا تسلك طريق الحق والعدل والمعرفة لا يمكن لها أن تنتج حضارة وتبني دولة.

لم تكن الدولة الإسلامية آنذاك خاليه من المشكلات الداخلية والتهديدات الخارجية، فعلى المستوى الداخلي اشتعلت الفتن، ففي الوقت الذي كانت سياسة الإمام علي عليه السلام قائمة على العدل، فعامل الناس كأسنان المشط، الأمر الذي لم يرضِ البعض ولا سيما الشعراء، وأصحاب المصالح، فقد تعامل مع بيت المال على أنه ملك الأمة لم يسمح لأحد مد يده اليه تحت أي مبرر، ساعيا لبناء دولة عادلة لا فضل أحد على أحد فيها إلا بالتقوى. 

 ونحن في الألفية الثالثة ينبغي أن نقف أمام حقبة جسد فيها الإمام علي (عليه السلام) القيم الإنسانية بأوسع معانيها، وقد سبق بها تطبيقيا كل الفلسفات الداعية للحرية والعدالة بثوبها المثالي، فيكف نتمكن من تحول منهج الإمام علي تطبيقيا إلى حقيقية متفاعلة في حياة أفرادنا ومجتمعنا سلوكا وأخلاقا وعدالة ونزاهة، لنقف أمام العالم بكل فخر، موضحين أن ديننا دين الإسلام يرفض العنف والإرهاب والفساد، وهو يقرر مبادئ التسامح ويرسي قواعد أخلاقية رفعية، وهو ما يجعلنا نستحضر قيم ومبادئ الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب، الذي جسد تلك المبادئ، مستندا على القرآن الكريم في بناء دولة قائمة على الآيات المحكمات، التي تبين المحرمات لكل سكان الأرض، وأمام آيات القران الأخرى، التي تمثل تنظيما اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا على وفق ثقافة كل عصر.

إن ذكرى استشهاد إمام الأمة يجب أن تذكرنا ونحن نعيش في القرن الواحد العشرين، أن قيم العدالة والنزاهة التي يتغنى بها العالم المتحضر إنما سبقها منهج الإمام بقرون، فهي كانت متجسدة في مسيرة الإمام منذ اللحظة الأولى لانطلاق الدعوة الإسلامية، وعمره لم يتجاوز العشر سنوات متربياً في كنف نهج النبوة، إننا مدعوون إلى مراجعة واقعنا بموضوعية، حتى نكون مدركين بحق ووعي تلك المبادئ والقيم العظيمة، التي أرسى قواعدها الإمام علي (عليه السلام) في الكوفة مركز قيادة الأمة آنذاك، فإدراك الوعي بماهيتها بات أمرا لا مفر منه اذا اردنا بناء دولة يكون الجميع مطمئنين للعدالة والنزاهة، فبالعدالة والمعرفة تنشأ الحضارات وتبنى الدول، وهي مبادئ أساسية جسدها منهج الإمام علي (عليه السلام). 

اختلفت الثقافات وتبدلت كثير من الأنماط من النظم السياسية في اشكالها التنظيمية من إمبراطوريات، ودول قومية، وملكيات، ونظم أممية بفلسفاتها الوضعية، ولم تتمكن من الصمود طويلا امام حقائق وقيم وأسس، التي وضعها القرآن الكريم في التنظيم الشامل، الذي يلبي كل حاجات الانسان في كل زمان ومكان، إلا أن المشكلة التي بقيت تعترض قدرة الإنسان إدراك ذلك، هو عدم فهم أصول منهج النبوة، الذي ترجمه الامام علي (عليه السلام) على وجه الموضوعية، فالرغبات البشرية دائما تعترض على طريق الحق، لذا كان قول الإمام علي  (لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه) قولا بالغ الحكمة مترجما للصعاب والتحديات التي تواجه أصحاب هذا الطريق، لأنه طريق الهدى والعدالة والنزاهة، فهل نكون اليوم على مستوى دلالات ومعاني هذا القول، لاسيما ونحن نحيي هذه الأيام ذكرى استشهاد الإمام عليه السلام؟.