علي حسن الفواز
إدارة السياسة أكثر خطورة من إدارة الحرب، ليس لأن هذه الحرب هي الشكلُ المعقد للسياسة، بل لأن السيطرة على مسار المصالح، وعلى الأمن السياسي والأمن الاقتصادي والسلم الأهلي، هي التي تجعلها الأكثر استحقاقا في جعل السياسة خيارا واقعيا وعقلانيا لمنع كارثة الحرب، لكن ذلك لن يكون موقفا معياريا، ولا «قاعدة ذهبية»، فالبعض يجد في الحرب تضخيما للسياسة، وأداة من أدوات فرض الهيمنة والاحتلال، كما يفعل الكيان الصهيوني، الذي جعل من حروبه الملعونة خيارا مفتوحا منذ عام 1967 ولغاية عدوانه الأخير على غزة وجنوب لبنان.
كما أن ما يجري في السودان وفي اليمن ليس بعيدا عن مفارقة السياسة والحرب، وعن الأدوار الخفية لـ”الدول الكبرى” في جعل السياسة حربا مفتوحة، وتحويل “الدول الصغيرة” إلى مختبرات لقياس مدى نجاح سرديات الحرب الانثربولوجية والعنصرية والطائفية والعسكرية، وعلى نحوٍ يتم فيه إخضاع هذه الدولة أو تلك إلى الاستنزاف، وإلى جرّها باتجاه التورط في حسابات سياسية ضيقة، وربما خاسرة.
خلال الاجتماع الأخير لوزراء خارجية “الدول السبع الكبار”، برز خطاب السياسة وكأنه حديثٌ عن حروب مؤجلة، فدعوة روسيا إلى إنهاء الصراع، لكن بشروط أوكرانية، تعكس طبيعة الخطاب القائم على عزل السياسة عن واقعيتها، كما أن الحديث الاستعراضي عن الاستقرار والأمن في فنزويلا وهايتي، وفي السودان والكونغو الديمقراطية، يؤكد مدى ضيق الأفق السياسي والأخلاقي، لأنه يعني لَيَّ الحقائق الإنسانية والحقوقية، وإطلاق الوصايا التي لا تخدم قضايا شعوب تلك الدول، لكن الأكثر بؤسا في بيانهم الأخير كان الحديث عن الشرق الأوسط، إذ تم تغييب أيّ إشارة للجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني في غزة، ولسياسة التجويع والقهر العنصري التي يفرضها على الشعب الفلسطيني، فضلا عن الاستمرار في فرض “الرعب الأمني” في جنوب لبنان وسوريا، وهو ما يؤكد القصدية في النظر “الأحول” إلى ثنائية الحرب والسياسة، وإلى الذهاب نحو خيارات معقدة تجعل من نصف السياسة نظيرا قلقاً ومريباً للحرب الكاملة، وأن بقاء الاحتلال هو تمثيل متعسف لهذه المعادلة المشوهة، وحتى النظر إلى الملف الإيراني- النووي والإقليمي- لم يخرج عن هذه النظرة القاصرة، وعن سياسة صناعة السيناريوهات الصغيرة، بعيدا عن واقعية التعاطي مع قضايا في الشرق الأوسط، ومع ملفاته القابلة للتفجّر، التي هي نتيجة للسياسات المشوهة، وللتهديد الدائم بالحرب، والدعم الفاضح للعدوان الصهيوني، وحماية الدول الكبرى له، وتحويل السياسة إلى تغطية ستراتيجية لأهدافه البعيدة والقريبة.