الخريف البارد

مآب عامر
"لولاك لما كتبت شيئا، بل لضعتُ" عبارة ذكرها ايفان بونين الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 1933 لزوجته فيرا نيكولايفنا موروفيتسيغا في كتاب "اللقاء الأخير".
الكتاب الذي عثرت عليه بالصدفة هو من الأدب الروسي وترجمة د. سعيد جهاد عجاج. لقد كان ممتعاً ويتناول اضمامة من القصص القصيرة، التي تصور الحياة الأسرية والريفية بأسلوب فريد وعميق.
هناك محطات في الكتاب الصادر عن دار المأمون للترجمة والنشر تتوقف عند مشوار حياة المؤلف بونين وتذكر العديد من أفكاره وتفاصيل يومياته وعلاقاته، منها انحناء بونين أمام المسرحي والقاص الروسي انطوان جيخوف، قائلاً: "لم تكن لدي علاقة مع أي من الكتاب آنذاك، كتلك التي تربطني مع انطوان جيخوف، وطوال تلك الفترة لم يحصل أدنى نفور بيننا ولا حتى مرة واحدة، لم يتغير معي وإنما حافظ على لطافته وترحابه واهتمامه بي كأخ كبير".
يضم الكتاب العديد من القصص التي تُظهر ولاء بونين للتقاليد الأدبية الروسية، ومنها: "القفقاس، في ساعة متأخرة، الخريف البارد، الأرجوحة، الحسناء، ذئاب، وغيرها".
وتبدو قصة "اللقاء الأخير" روسية بالنسبة لي ولا يمكن أن أتخيلها من دون أن تدور في عالم الواقعية السحرية فيودور دوستويفسكي وتولستوي ونيقولاي فاسيليفتش، حيث المروج الصخرية وأيام الخريف مع السماء الزرقاء الصافية والأشجار وتلك الفتاة الشقراء الحافية. فالطبيعة عند بونين، ليست خلفية مستوحاة أو تخيلية تُرافق تفاصيل أعماله القصصية، بل هي فاعلة وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأحداث السردية والشخصيات، ونقرا شيئاً منها: "كان القمر، مشرقاً وندياً، تومض الأغصان العارية فوق القمم الجبلية العارية بين الحين والآخر، ومندمجاً مع بريق القمر الندي. لقد فاحت رائحة لحاء أشجار الحور الرجراج، بين الوديان مع الأوراق المتعفنة.. هذا هو الانحدار الذي لا قرار له، مليء ببخار أبيض رقيق. أما الحصان فكان أيضا يتنفس ببخار أبيض، مخترقاً طريقه بين الشجيرات".
تظهر أعمال ايفان بونين دقة تفاصيله السردية وقدراته على الوصف، وكأنه يعتمد بشكل كبير على ملاحظاته البصرية، حيث نقرأ في بعض من قصة "كاستروك": "وأخيرا رقد. وانتشرت الظلمة التي لا حدود لها على السهل الرحب. وما لبث أن غرقت الحقول في نظارة الليل السهبي. ووراءها، وراء ظلام الليل على نحو ضعيف، كان يلوح مثل سارية وحيدة منفردة في خلفية باهتة من الغروب، شبح الطاحونة البعيدة- البعيدة جداً".