كيف أعاد الإسكندر الأكبر رسم خارطة العالم؟

جوليا باكلي
ترجمة: مي إسماعيل
عندما توفي عن 32 عاما فقط قبل نحو ألفي سنة، كان الإسكندر الأكبر قد أعاد رسم خارطة النصف الشمالي من الأرض، وغزا أراضي ثلاث قارات وحكم دولا امتدت من أوروبا مرورا بمصر إلى الهند الحديثة. ومنذ وفاته عام 323 ق. م.، بات العالم مهووسا بالإسكندر؛ الذي انطلق من مملكته "مقدونيا" (ضمن أراضي اليونان حاليا) بعمر العشرين ليغزو الامبراطورية الفارسية الشاسعة. ووصل إلى نهر السند بباكستان الحديثة، ثم عبر إلى الهند اليوم؛ قبل أن يموت في بابل (وسط العراق حاليا).
بعد نحو ألفي سنة ما زال بإمكان الزائرين رؤية إرث الإسكندر عبر دول متباعدة؛ مثل مصر وتركيا والباكستان، اضافة إلى اليونان بالطبع؛ حيث فتح الآثاريون القصر الملكي في أيجاي أمام الزوار؛ وهو الموقع الاحتفالي للسلالة المقدونية. إذ شهد القصر تتويج الإسكندر بعد اغتيال والده "فيليب الثاني".. وهناك الكثير من المواقع الاخرى التي يمكن أن يصير المهتمون عبرها أقرب إلى الرجل.. والاسطورة.
وفاة غامضة
يرى "بول كارتلج" (أستاذ فخري للثقافة اليونانية بجامعة كامبرج) أن ما حققه الاسكندر بعمر الثانية والثلاثين كان "فريدا"؛ إذ "أعاد رسم واقع العالم حينها" بالقوة، فيما كان والده قد حاول ذلك دائما بالدبلوماسية. شهدت مقدونيا تتويج الاسكندر وهو بسن العشرين خلال العام 336 ق. م.، ولم تمر سوى سنتين بعد اغتيال والده؛ قضاها لتعزيز حكمه وقمع ثورات مناطق جنوب اليونان والبلقان حتى ثم قاد جيشه عام 334 ق. م. إلى آسيا ليحقق طموح فيليب بغزو الامبراطورية الفارسية، وهي الدولة الاكبر على مستوى العالم آنذاك. وعلى امتداد عشر سنوات من القتال عبر تركيا الحديثة والشرق الاوسط، ومناطق بعيدة حتى أفغانستان والباكستان؛ هزم الإسكندر الملك الفارسي "داريوش الثالث" واستولى على الإمبراطورية لصالحه. وامتدت اراضيه حينها (وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره) من البحر الادرياتيكي إلى نهر السند. بعدها اندفع الاسكندر إلى شبه القارة الهندية ومقاطعة البنجاب (ضمن الباكستان الحديثة)، حيث قام بغزواتٍ أُخرى واندفع إلى الهند اليوم؛ قبل أن يتمرد جيشه المُنهك. فقد استداروا على اعقابهم ولكن أثناء طريقهم إلى الوطن أُصيب الاسكندر بحمى دامت اسبوعين ومات قرب بابل، حيث أُخذ جثمانه إلى مصر؛ وقيل أنه دُفن في الاسكندرية حيث لاقى تبجيلا من قبل الجميع: من كليوباترا إلى يوليوس قيصر؛ قبل أن يختفي بحلول القرن الخامس، ولم يُعثر له على أثر!
لم يخسر الاسكندر معركة قَط حتى وفاته، وإذ إنقسمت امبراطوريته سريعا؛ فقد بقيت الاغريقية هي اللغة الرسمية للادارة لعموم المنطقة، كما يقول كارتلج: "لهذا انتشرت الاغريقية عبر الشرق الاوسط، وكُتب "العهد الجديد" بالاغريقية". ورغم أن كان مكروها من قبل العديد من الأثينيين الذين كانوا يؤمنون بالديمقراطية وليس الملكية أو الامبراطورية؛ وبينما (كما يقول كارتلج) لا يزال بعض أتباع الديانة الزرادشتية (وهي ديانة قديمة) يعتبرون الاسكندر شرا لأنه دمّر سجلاتهم القديمة التي ضمتها برسبوليس (إيران الحديثة).. لكن الاسكندر حقق مكانة تكاد تقارب التقديس منذ وفاته. ينظر كارتلج إلى الاسكندر بوصفه "فريدا من نوعه": "يتطلب الأمر شخصية استثنائية لإدارة ما فعله الاسكندر"؛ مستشهدا بعبارة لجنكيز خان باعتباره من القادة القلائل الذين يناظرونه من حيث الانجاز.
"تغلب على كل شيء.."
ما زال إرث الإسكندر يتجاوز دروس التاريخ الممل، وله معجبون كُثُر؛ فهي قصة شاب اندفع من مقدونيا ليتخطى جميع حواجز العالم.. كتب المؤلفون خلال الحقبة الرومانية، ومنهم "أريان" و"بلوتارخ" سيرا ذاتية عن الإسكندر. ثم جاءت "قصة الاسكندر-Alexander Romance"، والتي كُتِبَت بادئ ذي بدء بالإسكندرية (مصر) إبان القرن الثالث ونالت شعبية كبيرة.. هي أساسا رواية مبنية على حياته، وقد تُرجمت إلى لغات منها العربية والفارسية، أو.."كل لغة يعرفها العالم" وفقاً لتعبير "بيير بريانت" الأستاذ الفخري بكلية فرنسا، المتخصص بتاريخ "الإمبراطورية الأخمينية وإمبراطورية الإسكندر".
وكتب الشاعر الفارسي "فردوسي" عام 1010 م القصائد الملحمية بعنوان "شاهنامة" أو "كتاب الملوك"؛ التي قدّم عبرها الإسكندر باسم "سِكَندر" وأنه كان فارسيا وأخا غير شقيق لــ"دارا"، أو داريوش. ومن خلال هذا الكتاب جرى تصوير الاسكندر بإعتباره من أتباع الديانة الزرادشتية من بلاد فارس. ويقول بريانت إن الكتاب انتشر.. "عبر أرجاء الشرق الأوسط والشرق الأقصى"؛ حتى إندونيسيا. أما اليوم؛ فإن هناك عدة مدن تحمل اسم الإسكندرية نسبة إلى الإسكندر المقدوني، وتمتد من مصر إلى قندهار بأفغانستان.
تاريخ "بارز" حول العالم
يقول كارتلج: "أعتقد أن الأمر يرجع إلى عمره؛ إذ إنه أنجز الكثير قبل وفاته؛ فضلا عن المسافة المدهشة التي قطعها.. فقد وصل إلى أفغانستان وباكستان اليوم، وجزءا من الهند. ولم يجرِ ذلك بسلاسة على ما يبدو؛ لكنه انتصر على كل العقبات الممكنة سواء كانت جبالا وانهارا وفيلة الحرب وعربات مسلحة بالمناجل وغيرها.. بل إنه تغلب على كل ما أُلقيَ عليه أثناء طريقه". وما زال الناس يصابون "بحمى الاهتمام بالاسكندر" حتى اليوم.. ولعل جزءاً من الاهتمام يعود لمنحى الاسكندر تجاه المرأة؛ بمنظور القرن الحالي.. فخلافا للغزاة خلال التاريخ القديم ممن اعتبروا أن الاغتصاب والنهب أعمالا تعد من حقهم بعد تحقيق الانتصارات؛ تجنب الاسكندر تلك الامور.. وتتحدث احدى الروايات المذكورة عن إن الاسكندر، وبعد هزيمة الملك الفارسي داريوش (الذي فر بسبب معركة ايسوس)، قام بأسر أفراد أُسرته؛ وبضمنهم زوجة الملك داريوش ووالدته. وبدلا من استعبادهن (كما كان متوقعا) فإنه عاملهن بكرامة. وتمضي الرواية بالقول أن سيسيغامبيز (والدة داريوش الثالث) اعتبرت الإسكندر كابن ثانٍ لها، كما وحزنت على وفاته.
يعزو "بيتر سومر" (وهو دليل رحلات بريطاني، درس علم الآثار والتاريخ القديم وتخصص بتتبع مسار تحركات الاسكندر) ذلك الاهتمام العام بالاسكندر إلى "جاذبية شخصيته" التي ما زالت تلمع عبر القرون، قائلا: "الواقع أنه أبهرني لأنه حقق كل ذلك بعمر الثانية والثلاثين.. وقاد أكبر حملة عسكرية ضمت نحو مئة ألف جندي.. لا بد أن شخصيته كانت غير اعتيادية".
اسقاطات المخيلة
إنضم الإسكندر إلى مجموعة نخبوية من الكيانات الاسطورية، والتي تتغير ملامح شخصياتها وفقاً لمعتقدات المجتمع ورغباته. يوضح سومر قائلا: "التاريخ يتغير باستمرار.. وتجري كتابته بطرق مختلفة تماما تبعا للعصور. انه (الاسكندر) مثل رجل عصر النهضة الذي يفسره الناس لأنفسهم". أما كارتلج فيقول: "نحن نُسقِط أحلامنا وخيالاتنا وكوابيسنا على الأشخاص الذين ندعوهم بالعظماء. وهم ليسوا جيدين دائما بأي حال من الأحوال؛ لكنهم يحققون شيئا يتجاوز كثيرا ما استطيعُ أنا أو أنت تحقيقه..".
لكن كارتلج يقول أيضا إن الاسكندر كان من دعاة الدعاية العظماء؛ وبعد مرور نحو ألفي عام، ما زلنا نُصدّق إلى حد كبير "جانبه" من القصة.. حتى أنه ربط نفسه ببطل هوميروس الأسطوري "أخيل"؛ مضيفا جوانب رومانسية إلى إرثه. ورغم اعتقاده أن ما فعله الاسكندر من سفك الدماء (خاصة عند نهاية حملته) كان بمثابة.. "وصمة حقيقية على ذكراه"؛ يمضي كارتلج قائلا: "أنا احترم الاسكندر ومعجب به بشدة؛ إذ كان شجاعا للغاية وذو شخصية جذابة، وله صفات ممتازة؛ لكنه قام ايضا بأمور شنيعة جدا.. لقد كان متفردا..".
عنصرية الأرث
يقدم بريانت، الدارس لتاريخ الإمبراطورية الأخمينية (الفارسية) وإمبراطورية الإسكندر، تفسيرا مختلفا لشخصية الاسكندر. ويناقش عبر كتابه: "الاسكندر الاكبر: مقدمة قصيرة" فكرة أن الاسكندر قد حقق شيئا لم يحدث سابقا؛ والدليل (كما يقول) إن الاسكندر غزا الامبراطورية الفارسية. ويمضي قائلا: "لا يمكن الحديث عن الاسكندر بوصفه شخصا خارقا للطبيعة دون الحديث عن أي سياق، واذا تحدثنا عن غزواته فلا بد من الحديث عن الامبراطورية الاخمينية. كان الملك الفارسي قد غزا بلاد فارس قبل نحو مئتي سنة؛ لذا حين جاء الاسكندر لغزو الشرق الاوسط كان عليه غزو امبراطورية منظمة.. ولم يكن الأول..". يشرح بريانت ان الناس ما زالت تتحدث (بعد ألفيتين) عن الاسكندر وليس عن ملوك الفرس؛ قائلا (عن المؤرخين): "توجهاتنا أوروبية، وقد احتل الإسكندر موقعا كبيرا بالنسبة لأوروبا منذ القدم حتى الان.. كما جرى اعتباره أول غزاة الشرق، وشرح مؤرخو القرن الثامن والتاسع عشر أن انتصاراته كانت بمثابة اعلانٍ لانتصاراتٍ مستقبلية لجيوش اوروبية على العثمانيين. أصبح الامر كأنه نوع من الخرافة السياسية الأوروبية، ومهم جدا للمنظور الاوروبي تجاه آسيا والشرق الاوسط". كذلك يسخر بريانت من فكرة "هيمنة الحضارة الاغريقية" على الشرق التي حدثت بعد غزوة الاسكندر، حينما أصبحت الاغريقية هي اللغة السائدة؛ قائلا: "هذا لا يعني أن الثقافات الموجودة قد اختفت، وإنما العكس هو الصحيح"؛ مضيفا أن المصريين والبابليين استخدموا لغاتهم الخاصة ايضا. ويصف بريانت الأمر بأنه: "إلتقاء للحضارات"؛ وهو أمرٌ لا شك بأن الاسكندر كان سيوافق عليه؛ بعدما أثار فزع جنوده حينما ارتدى أثوابا فارسية وتزوج امرأة (روكسانا) من ما باتت تعرف اليوم بأفغانستان وعزز جيشه بالجنود الفرس.
السياسة أولاً
بينما قد تبدو تصرفات الاسكندر لنا اليوم باعتبارها تعددا ثقافيا؛ لكنها من حيث الواقع تعد تصرفات سياسية؛ كما يقول بريانت: "إذ كان الاسكندر يحارب منذ 13 سنة، وكان همه الأكبر الحفاظ على الجيش. لكن غالبية ذلك الجيش صارت في نهاية المطاف من الايرانيين. لعله كان معنيا بالثقافة؛ غير إن النقطة الأساسية كانت الحفاظ على القوات العسكرية". وينطبق هذا التفسير على زواجه من روكسانا؛ الذي دعاه بريانت "بالزواج السياسي"؛ وكذلك معاملته الاسطورية لعائلة داريوش.. "رغبة منه باستمالة الاسرة الملكية الفارسية إلى النظام الجديد". وعلى الرغم من اعتراف بريانت ببراعة الإسكندر داخل ساحة المعركة وشجاعته وذكائه؛ لكنه يُشدد على ان المقدوني لم يكن يغزو أرضا جديدة تماما؛ بل امبراطورية موجودة مسبقاً؛ قائلا: "مهما تكن انجازات داريوش وكيفية تنظيمه لامبراطوريته؛ سأقول أن انجازات الاسكندر قد أصبحت أكبر منها". لا يعرف أحد ما الذي كان يخطط له الاسكندر عند وفاته؛ رغم الاعتقاد انه كان ينوي غزو منطقة الخليج وشمال أفريقيا. لكن اسطورته عاشت... بالرغم من مساوئه.