ترامب يدفع ساحل العاج إلى أحضان الإرهاب

بانوراما 2025/03/26
...

 مونيكا برونزوك

 ترجمة: بهاء سلمان


مع حقول زراعة الطماطم وقطعان الماشية المنتشرة عبرها، لا تبدو قرية" كمبيريلانورد" ضمن قرى ساحل العاج وكأنها تقف عند الخط الأول ضمن المعركة العالمية لمحاربة التطرّف. لكن بعدما هجم الإرهابيون على إحد التجمعات السكنية المجاورة في دولة مالي قبل خمس سنوات، وأسسوا قاعدة داخل إحدى الغابات المتداخلة عبر الحدود، تعهدت الولايات المتحدة بإنفاق عشرين مليون دولار لمنع انتشار تنظيمات القاعدة وداعش بين عشرات القرى الأخرى. 


وتشير حالة القطع الشامل للمعونات الخارجية من قبل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إلغاء الدعم، حتى مع وصول حالة العنف في مالي ودول منطقة الساحل جنوبي الصحراء الكبرى إلى مستويات قياسية، دفعت عشرات الآلاف من اللاجئين نحو شمال دولة ساحل العاج. ويساور المحليون القلق من حالة التخلي عنهم. وقال دبلوماسيون وموظفو إغاثة بأن إنهاء المعونات ستعرّض للخطر جهود مكافحة الإرهاب وتضعف النفوذ الاميركي عند جزء من العالم، حيث تحوّلت بعض الدول إلى الاستعانة بالروس طلبا للمساعدة.

فقد شهدت قرية كمبيريلانورد مساعدات أميركية للشباب على الحصول على تدريب وظيفي، وتشييد ساحات لقطعان الماشية لأجل رعيها، وبالتالي لم تحدث حالات سرقة من قبل الإرهابيين من الأراضي المالية، كما ساعدت على تأسيس نظام مشاركة المعلومات كي يتمكّن السكان من التلويح بمواجهات عنيفة بين الأطراف المتقابلة، والخدمات الحكومية.

يقول "ياكوبا دومبيا"، شيخ القرية (عمره 78 عاما): " الفقر والجوع يجذب الشباب إلى المتطرفين. كانت هناك لحظة حرجة تماما سنة 2020، وجاء مشروع التأهيل بحماية أنفسنا."


منطقة غير مستقرة

خلال العقد الماضي، اضطربت منطقة غرب أفريقيا بسبب التحرّكات الإرهابية والانقلابات العسكرية؛ واجتاحت مجاميع مرتبطة بتنظيمات القاعدة وداعش مناطق واسعة وقتلت آلاف الأشخاص، وتعمل على الانتشار باتجاه دول أكثر ثراء، مثل ساحل العاج وبنين وتوغو. وكان ترامب قد وقع قانون الهشاشة العالمية سنة 2019، واعقبته مبادرات لشمال ساحل العاج. كان هدف الولايات المتحدة لهذه المنطقة هو "الإمساك بصمام وقاية ضيّق،" وفقا لتقرير صادر مؤخرا عن الكونغرس حول تفعيل هذا التشريع المتّفق عليه من قبل الكونغرس الأميركي.

ويقول الخبراء إن مخاوف السكان المحليين تساعد على تسويق شعبية المجاميع المتطرّفة، وتثير قلقهم جرّاء التنافس على الأرض والموارد، والاقصاء والتهميش وغياب الفرص الاقتصادية. وعبر المنطقة بأسرها، عمل المتطرّفون على تجنيد الأفراد المهمشين والمهملين من قبل الحكومة المركزية ضمن صفوفهم.

"تعد ساحل العاج من بين دول قليلة لا تزال تقاوم التهديد الإرهابي لمنطقة الساحل الأفريقي. ومع عدم دعم التجمعات السكنية الحدودية، فان مسألة بسيطة ربما ستعمل على توجيه هؤلاء الناس إلى أحضان المتطرفين،" بحسب أحد موظفي الأمم المتحدة المحليين. وكان ترامب قد أصدر مؤخرا أمرا تنفيذيا يقضي بتجميد المساعدات الخارجية ومراجعة جميع مشاريع المعونات والتنمية الأميركية خارج البلاد؛ مطلقا اتهامات بأن الكثير من المعونات الخارجية كانت عبارة عن تبذير ودفع بأجندة ليبرالية.


ضعف الاهتمام المشترك

سنة 2020، عندما هاجم الإرهابيون قرية مالية على بعد عشرة كيلومترات، كانت كمبيريلانورد، ومن طرق متعددة، ملائمة تماما لوصف تجمّع سكاني معرّض للدخول ضمن حلقة التطرّف. كانت حياة الماليين والعاجيين متشابكة، ويتبادلون اجتياز الحدود بكل حرية، ما سهل المهمة للمتطرّفين، الذين كانوا يتكلّمون لغة البامبار المحلية مثل السكان، لأجل الدخول إلى كمبيريلا نورد. ولا يملك الكثير من السكان هويات تعريفية، كما أن القليل منهم يتكلّمون الفرنسية، مما تركهم بلا وسيلة وصول إلى الخدمات الحكومية أو المعلومات الرسمية. وعاشت المجاميع الأثنية المختلفة جنبا إلى جنب، لكنها كانت مقسمة بسبب النزاعات حول الموارد الطبيعية الشحيحة وحالة الارتياب من الدولة، ولم تتوفر للشباب فرص حقيقية لكسب المال.

تقول "اميناتا دومبيا"، رئيسة الجمعية التعاونية الفلاحية للقرية: "كنا في غاية الخوف، والكل كان مهتما بأموره." وتدير الحكومة العاجية برنامجا يعمل على توفير تدريب مهني ومنح مالية وقروض صغيرة، لكن الوصول إلى قرى مثل كمبيريلانورد يعد صعبا.

وتعد القرية بمثابة المأوى للاجئين قدموا من مالي وبوركينا فاسو وغينيا. وهرب "سيفاتا بيرت"، 23 عاما، من مالي مع عائلته قبل سنتين، وهو ليس من المؤهلين للبرنامج المدار من قبل الحكومة العاجية، غير أنه تلقى تدريبا من خلال مشروع موّلته الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وهو الآن يعمل كمتدرّب ضمن ورشة حدادة.

وتشمل الأمور الأخرى المموّلة من قبل مشاريع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية شبكة لإذاعات مجتمعية بلغات محلية مختلفة، لكي يتمكّن الناس من الحصول على المعلومات. كما عملت هذه المشاريع على توظيف شاحنات حكومية متنقّلة لمساعدة عشرات الآلاف من الناس عبر المنطقة للحصول على وثائقهم التعريفية، وقدمّت للناس قروض تعاونية صغيرة وجمعتهم ضمن لجنة خاصة للمزارعين ورعاة الماشية تعمل على مساعدتهم بحل التوترات القائمة حول الأرض. يقول دومبيا، شيخ القرية: "نحن ندين بالفضل إلى المشروع الذي جعلنا نتمكّن من النوم في الليل بهدوء. لقد تعلّمنا كيف نتكاتف سويّة."  


خطط كبيرة ولكن!

صارت ساحل العاج تعرف بكونها هدفا للمتطرفين منذ العام 2016، عندما وقع اعتداء على منتجع "غراند بسام" الساحلي، موقعا العديد من القتلى. سنة 2021، حدثت سلسلة من الاعتداءات بالقرب من الحدود الشمالية للبلاد، إلا أنه تم احتواء أعمال العنف بشكل كبير بعدما هرعت السلطات العاجية والحكومات الغربية ومجاميع الإغاثة صوب هذا الجزء الفقير والمعزول من البلد لتعزيز قدرات الجيش وتنفيذ مشاريع تنموية.

سنة 2024، خصصت القيادة العسكرية الأميركية نحو 65 مليون دولار لإقامة مشاريع في ساحل العاج، معظمها كانت "تركز على مكافحة الإرهاب وأمن الحدود" قرب الجزء الشمالي من البلاد، بحسب الموقع الالكتروني للمجموعة. وقالت وزارة الدفاع الاميركية عبر بيانها أنها "لم تكن على دراية بأية قطوعات من ميزانية التدريبات الإرهاب أو برنامج الشراكة مع القارة الأفريقية."

وتأتي ساحل العاج بالمرتبة الثانية بأعلى ناتج إجمالي قومي للفرد ضمن منطقة غرب افريقيا، لكن وفقا لمصادر الأمم المتحدة، توصف بأنها من بين أقل دول العالم تطوّرا، فالعديد من القرى النائية مثل كمبيريلانورد لا تمتلك وسيلة حصول على المياه الواصلة إلى المنازل. ويعلق "فامي ريني"، محافظ مدينة كورهوغو، عاصمة المقاطعة: "كنا نعتقد بأنه كان علينا فقط حل هذه المشاكل بالخيار العسكري، بيد أننا رأينا بأن هذا لا يعد كافيا. كان علينا أن ننفذ برامج من شأنها تقوّي قدرة السكان على الصمود."

وكان لدى سكان القرية خطط كبيرة قبل التجميد الأميركي لمعوناتها مثل تمويل أول بئر للقرية، والمساعدة بانشاء مزرعة جماعية، وتوسيع التدريب المهني. لكن حاليا، السكان يخشى السكان كونهم قد تركوا بمفردهم للتعامل مع المتطرفين. يقول دومبيا، شيخ القرية: "إذا أنت نسيت، فهم سيعودون، فما طال هناك حرب على الجهة الأخرى من الحدود، فيجب علينا حتما أن نبقى متيقظين بدرجة عالية."


وكالة اسيوشيتد برس الأميركية