أصوات الشباب.. بيضة القبّان في صناديق الاقتراع

العراق 2025/03/27
...

 بغداد: دانيه حيدر

يحق لأكثر من (29) مليون ناخب المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة، من بينهم أربعة مواليد جدد، أضيفوا إلى سجل الناخبين بعد بلوغهم السن القانونية التي تخولهم التصويت لأول مرة في انتخابات مجلس النواب.

ويشكل هؤلاء الناخبون الجدد نحو (15 %) من إجمالي عدد الناخبين، مما يجعلهم شريحة مؤثرة قادرة على إحداث تغيير في المعادلة الانتخابية، وفقاً لمراقبين سياسيين يرون أن هذه الفئة، بحكم حداثة تجربتها الانتخابية، قد تلعب دوراً محورياً في رسم ملامح المشهد السياسي المقبل، سواء من خلال المشاركة الفاعلة أو التأثير في نسب الإقبال والتوجهات الانتخابية.

الانتخابات مسؤولية وطنية

الطالب الجامعي محمد جابر، يروي لـ"الصباح" تجربته في المشاركة بالانتخابات قائلاً: "في كل انتخابات كنا نتمسك بالأمل، نصدق أنَّ الوضع سيتغير، وأنَّ هناك حلاً للأزمات المتكررة، فنؤمن بالتصويت العادل ونشارك، ثم نُصدم بالواقع؛ نفس المشكلات تعود، وكأنَّ شيئاً لم يحدث."

ويضيف جابر أنَّ الانتخابات أصبحت مجرد إجراء شكلي.

ويرى أنَّ الامتناع عن التصويت ليس تخلياً عن المسؤولية، بل موقف يعكس "رفض المشاركة في قضية محسومة النتائج"، بحسب وصفه.

على النقيض، يرى الطالب مصطفى الموسوي أنَّ العزوف عن الانتخابات لن يؤدي إلى أي تغيير إيجابي، بل قد يزيد من المشكلات. 


نجاح الحكومة

ويوضح لـ"الصباح" أنَّ عدم الثقة المتزايد جاء نتيجة خيبات متكررة لم تحقق مطالب الشعب، لكنه يحذر من أنَّ الاستسلام يُعد خطأ كبيراً، خاصة مع نجاح الحكومة الحالية في إعادة ثقة كبيرة من أبناء الشعب بالعملية السياسية.

ويشدد الموسوي على أنَّ الانتخابات هي الوسيلة السلمية الوحيدة لإحداث التغيير، مضيفاً أنَّ "الجلوس مكتوفي الأيدي لن يُجدي نفعاً، حتى المرجعية الدينية تشدد على ضرورة المشاركة. لهذا سأشارك أنا وعائلتي في الانتخابات، إيماناً بقدرتنا على التغيير عبر صناديق الاقتراع."

أما الطالبة في كلية الإعلام، جامعة بغداد، بنين رعد، فتؤكد أهمية المشاركة، قائلة: "أنا مع الانتخابات، لأنَّ واجبنا أن نسهم في اختيار الأشخاص المناسبين. الانتخابات مسؤولية وطنية يجب أن نؤديها على أكمل وجه."

وتنتقد رعد العازفين عن التصويت، مشيرة إلى التناقض بين الامتناع عن التصويت والمطالبة بالحقوق، وتقول: "كيف لنا أن نطالب بحقوقنا قبل تأدية واجباتنا؟ من لا يصوت يتيح الفرصة للتلاعب بالنتائج من خلال احتساب الأصوات لصالحهم. علينا رفض الغش الانتخابي ومنعه عبر المشاركة الفعلية في العملية الانتخابية".

من جانبه، يرى الأستاذ الدكتور عبد المنعم جبار عبيد الشويلي، الباحث الأكاديمي في جامعة بغداد، أنَّ التغيير في الانتخابات المقبلة يعتمد بشكل كبير على ما سيُطرح في الساحة السياسية، مشيراً في حديثه لـ"الصباح" إلى أنَّ الناخبين ليسوا دائماً في موقع الاختيار الكامل. وأضاف أنَّ هناك طموحات كبيرة لدى الشباب، ولكن لا توجد قوائم انتخابية تلبي تطلعاتهم ورغباتهم.

كما أشار الدكتور الشويلي إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، والقنوات الفضائية، والإعلانات في آراء الناخبين، إذ تسهم هذه الوسائل في تشكيل رؤيتهم بشأن الانتخابات في المرحلة الحالية. ورغم أنَّ هؤلاء الشباب يحملون تطلعات وآمالاً كبيرة، إلا أنَّ الانتخابات لا تستطيع، بطبيعة الحال، تلبية جميع توقعاتهم، وفقاً لقوله.

وفي سياق آخر، لفت الشويلي إلى أنَّ هناك شعوراً باليأس من الانتخابات بين الأجيال المتعاقبة، إذ يشعر الكثيرون بوجود تقسيم للأدوار بين بعض الكتل السياسية، مما يصعب على أي حزب أو كتلة جديدة أن يجد مكاناً له. ومع ذلك، أكد أنَّ هذا لا يعني التوقف عن البحث عن مرشحين يقدمون أفكاراً جديدة ومفيدة، يمكن أن تحقق تغييراً حقيقيّاً في المجتمع.

في حديثه لـ"الصباح"، يرى المحلل السياسي الدكتور مسعد الراجحي أنَّ بعض الأحزاب التي وصفها بأنها "تعتمد على إيديولوجيات أوليغارشية" أضاعت ملامح الديمقراطية الفاعلة والمؤسسات القوية، إذ تستمد ديناميكية وجودها من جوانب سياسية نفعية واجتماعية متفرقة. ويؤكد الراجحي أنَّ تحقيق التغيير الحقيقي يتطلب إقناع الشباب بضرورة مشاركتهم الفاعلة في الانتخابات، محطماً حاجز اليأس الذي يسيطر عليهم.


توعية الشباب

ويضيف الراجحي أنَّ إقناع الشباب يتطلب توعيتهم بأنَّ مستقبلهم مرتبط بصناعة قرارهم السياسي بشكل مستقل، وأنَّ ابتعادهم عن هذا المنطق سيؤدي إلى ضياع فرص تحسين أوضاعهم المستقبلية. وفي هذا السياق، يشير إلى أنَّ مسؤولية الدولة تكمن في تحفيز المواطنين على المشاركة الانتخابية عبر ما يُسمّى "الحوافز الانتخابية"، ويؤكد أنه تم تقديم طلب نيابي للعمل على هذا الأمر.

وعن الحلول المقترحة، يؤكد الراجحي أنَّ المشاركة في الانتخابات هي الحل الوحيد في ظل غياب المساءلة السياسية، إذ إنَّ العزوف عنها يمنح الأحزاب التقليدية فرصة لاستمرار وجودها. ويشدّد على أنَّ غياب نسبة المشاركة في الانتخابات لم يتم تحديده من قبل الدستور أو المشرّع العراقي، مما يزيد من تعقيد الأمور.

وفي ما يتعلق بتوجهات الناخبين الجدد، يشير الراجحي إلى أنَّ استمرار السلوكيات الحزبية السلبية يؤدي إلى تآكل الثقة في الانتخابات، إذ لا يمكن للشرائح الاجتماعية أن تكون فاعلة إذا كانت الأحزاب لا تسعى لتعزيز مصلحة المواطن. ويختتم بالقول إنَّ هذا الإهمال يؤدي إلى شعور بالانعزال لدى المواطن، مما يزيد من تقلبات توجهاته السياسية.

أما الباحث في الشأن السياسي، أحمد الهركي، فيرى أهمية دور الشباب في المعادلة الانتخابية، مشيراً إلى أنَّ المشكلة الحالية في الانتخابات تتمثل في انخفاض نسب المشاركة في كل دورة انتخابية. وعدَّ هذا التراجع مؤشراً سلبيّاً في المشاركة السياسية، خاصة أنَّ الانتخابات تُعدّ أحد أوجه التحول الديمقراطي. وأكد الهركي أنَّ المسؤولية تقع على عاتق الجميع في حث المواطنين، وخصوصاً الفئات العمرية الشابة، على المشاركة، مشيراً إلى أنَّ المستوى الحكومي والنخب السياسية والإعلامية يلعبون دوراً مهمّاً في تعزيز هذه المشاركة. وأضاف أنَّ زيادة المشاركة تسهم في أن تعكس الخارطة السياسية المجتمع بشكل أوسع.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تتزايد جهود المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، في تحديث سجلات الناخبين وضمان مشاركة فاعلة من جميع المواطنين، خاصة الجيل الشاب الذي يطل على أول انتخابات له. في هذا السياق، كشف رئيس الفريق الإعلامي في المفوضية، الدكتور عماد جميل لـ "الصباح" عن الجهود المستمرة لضمان انتخابات أكثر نزاهة وشفافية، قائلاً: إنَّ المفوضية سجلت نحو (20) مليون مواطن للحصول على البطاقة البايومترية. 

ودعا المواطنين المتبقين إلى الإسراع في التسجيل، مشيراً إلى أنَّ القانون يفرض إجراء الانتخابات باستخدام البطاقة البايومترية فقط، وهو ما تم تطبيقه في انتخابات (2023).

وأشار إلى أنَّ الإحصائيات أظهرت تسجيل (29) مليون ناخب، مبيّناً أنَّ أعداد مواليد (2004) الذين يحق لهم المشاركة تبلغ (926,079)، بينما يبلغ عدد مواليد (2005) (899,980) مواطناً، و(2006) (837,903). في حين بلغ عدد مواليد (2007) نحو مليون ناخب.

ختاماً، أشار الدكتور جميل إلى الإجراءات الأمنية التي تتبعها المفوضية، مثل استخدام كاميرات المراقبة في محطات الاقتراع، لافتاً إلى أنَّ الانتخابات السابقة، بما في ذلك انتخابات مجالس المحافظات، أثبتت نجاح هذه الإجراءات.