لقد كذبتَ يا بيير لوتي

الصفحة الاخيرة 2025/03/27
...

طه جزاع



يُنسب إلى نابليون بونابرت قوله "لو كان العالم كله دولة واحدة لكانت إسطنبول عاصمته"، لذلك كان الحق مع مواطنه الضابط والروائي الفرنسي بيار جوليان فيّو المسمى بـ "بيير لوتي" أن يعشق هذه المدينة حين أقام فيها نهايات القرن التاسع عشر، واختار تلةً مرتفعة تطل على خليج القِرن الذهبي بجوار مرقد الصحابي أبو أيوب الأنصاري. 

أطلق لوتي على هذا المكان اسم الجبل المقدس إذ كان يقضي فيه ساعات طويلة ليرسم أو يكتب تجاربه البحريّة وذكريات رحلاته ورواياته، وهي روايات رومانسيّة أصدقها رواية " آزياده" التي جسدت عشقه لفتاة تركية مسلمة، 

غير أن الرواية تنتهي نهاية مأساويَّة بوفاة هذه الحبيبة. 

 ومع أنَّ لوتي عشق الشرق، وكان يعد نفسه شرقياً بالقدر نفسه الذي كان فيه غربياً، ولَبَس اللباس الشرقي، ودخَّن النارجيلة في مقاهي إسطنبول، وحمل المَسْبَحة، لكن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا، وفق رأي الشاعر الانكليزي روديارد كبلنغ، غير أن المعشوقة لا تنسى عشاقها المُعَّذَبين بحبها، ولم تنس اسطنبول هذا العاشق الغربي فخلدت ذكره بإطلاق اسمه على التلة 

المقدسة، حيث أقيمت مقهى أنيقة على الطراز الفرنسي. 

لكن شاعر تركيا اليساري ناظم حكمت له وجهة نظر أخرى في هذا الضابط الفرنسي، ففي واحدة من قصائده يعاتب بيير لوتي على مشاركة فرنسا في احتلال إسطنبول وقصفها بالقنابل عام 1918 قائلاً : " فأنت، أيها الضابط الفرنسي. لقد نسيتَ حبيبتك ذات العيون العنقودية، بسرعة أكثر مما تنسى فيها العواهر. لقد كذبتَ يا لوتي، لقد كذبتَ، فقد قصفتَ بالقنابل، قبر آزياده كما لو كان مرمى من خشب. فليعلم الجميع، أنك يا لوتي لستَ إلا دجالاً يبيع الشرق" .