صناعة الوهم

كاظم غيلان
تستوقفنا الأوهام دائما مع أننا ندرك بأنها محض اوهام، لكننا نتمسك بها، نخشاها، نعمل بموجبها.
في عالم الإبداع وضع المشتغلون بالنقد قوانينهم الصارمة، التي باتت حجر عثرة أمام العديد من المواهب، تشير لهم وتنذرهم وتحط من نتاجاتهم بحكم قوانين اكل الدهر عليها وشرب. جناس، طباق، عروض خليلية، تتحول جميعها إلى مقاييس يمنع تجاوزها.
القوانين ترتفع لمصاف القداسة ومن ثم تتحول إلى أشباح قامعة، مخيفة، مرعبة، لربما تؤرقنا وتفزعنا.
تكتب مادة، تعيد قراءتها وتضع أمامك أكثر من رقيب متخيل، الرقيب الديني، الرقيب العشائري، الرقيب النقابي، وما ان تحس بأنها ستزعج أحدهم حتى تمزق ما كتبت، تمزق قناعتك ولربما تعيد كتابة المادة بما يرضي رقيبك، ولذا بطل إبداعك، فالابداع يشترط الابتكار والخلق وهذا ينافي ما تنص عليه لوائح الرقابة.
كم من موهبة قتلتها ذبحا لجان فحص النصوص وتبرعت بدفنها لجان تحكيمية تتعاطى الرشى في هذا الزمن الوسخ؟ كل ذلك بفضل القداسة التي ابتكرتها أوهامنا وخلقنا منها قوانين صارمة. مثلما يتفشى الفساد في بلادنا إداريا وماليا راحت الثقافة المؤسساتية الساندة لمصادر الفسادين هي الأخرى تمارس فسادها.
قبل أكثر من عام اخترت للجنة مسؤولة لتوجيه دعوات إلى أحد الملتقيات الشعرية، رن جوال أحد اعضاء اللجنة، ليأتي صوت أحد الأدباء مقترحا دعوة شاعر واكاديمي اعرفه حقا، جوبه اقتراحه برفض ممثل القيادة المهنية، وحين سألته عن السبب أجابني مبررا أن رئيس منظمته في ( زعل) معه !!
هكذا أمزجة ترتفع لتصبح قانونا صارما لا يجوز مخالفته، التي تعد من محرمات الثقافة النقابية.
التقيت رئيس المنظمة بعدها بأشهر فنفى ذلك قطعا، ولكن ما نفع ذلك وقد انتهى الملتقى بمنتهى البؤس ولم يكن سوى ( لقاء احباب).. وهكذا انتصر الوهم على الواقع.
لا قوانين في الكتابة ولا محددات في الإبداع إنما نحن وبحكم اوهامنا نبتكر ونسن قوانينا معادية تماما لشرط الحرية التي هي مصدر الإبداع الابرز.
في المؤسسات الرسمية تعتمد جهات تشريعية لوضع قوانين تعتمد لأجلها رجل القانون المتمرس والخبير في صياغتها، لكنها تلغى بجرة قلم في سقوط الحكومة التي صادقت واصدرت تلك القوانين.
لكن من أين للإبداع هكذا لعبة؟ ألسنا نحن من يصيغها في دائرة اوهامنا التي تحكمها مقدساتنا الثقافية؟
اطيحوا أوهامكم وانظروا جيدا في أي مكب نفايات سترقد قوانينكم. ويظل الإبداع ابن حرية ترفض أن تربط بقيد شعرة كما أراد لها حسين مردان.