نوستالجيا المدينة المفقودة

ثقافة 2020/10/25
...

 رضا المحمداوي 
 
كان مُقدَّراً للـ (بصرة) بعد سقوط النظام الدكتاتوري السابق، وحدوث التغيير التاريخي في 9/ 4/ 2003 أنْ تأخذ مساراً آخر في طريقة إعمارها وإعادة بنائها وازدهارها بل و (صناعة) بصرة جديدة بحاضرها وصورة مستقبلها، لكن السنوات الـ17 التي مرَّتْ بعد ذلك المنعطف التاريخي زادت البصرة خراباً على خراب، وفساداً فوق فساد، وأشاعتْ الفوضى وأصبحتْ ساحة صراع ونزاع للقوى السياسية والحزبية والعشائرية والقوى الأخرى المتنفذة صاحبة السلطة والسطوة والنفوذ والمناصب ... 
ومن زمن الحاضر المُستمر بثقلهِ ووطأة صخورِهِ وأحجارِهِ المُتراكمة حيث تكتظ بمفردات الخراب، والضياع، وغياب ملامح الجمال والغبطة عن ملامح البصرة، ومن زمن المستقبل المُشوَّش، والغامض تنبثقُ صور ورؤى النوستالجيا في ذاكرة الشاعر والكاتب طالب عبد العزيز وهو يُحدَّقُ ويتأملُ الحياة في مدينتهِ (البصرة) ويستعيدُ أزمنتها وحياتها ويستذكرُ أماكنها وشخصياتها التاريخية بواسطة موشور الذات الشاعرة الكامنة بين جوانحهِ. 
ومن التسمية المحلية الشعبية لمفردة (باب)، والتي يطلقها أهالي (ابي الخصيب) على الأرض المحصورة بين نهرين، ينطلقُ الكاتب طالب عبد العزيز في كتابة فصول أو (أبواب) كتابهِ المعنون بـ (قبل خراب البصرة/ كتاب الماء والنخل) عن دار (آراس )الطبعة الاولى عام 2012.
إذن نحنُ أمام حكايات (بصراوية) وعددها 24 حكاية، كل حكاية أو (باب) تتضمنُ معنى من معاني الحياة كما يصفهُ الراوي/ الكاتب، فهناك (باب حكاية أنهار) و( باب الخصيبي) و(باب الروح والجسد) و(باب الحيرة والوجود) و( باب الشاعر) وغيرها ...
وعلى هذا الأساس فكل (باب) هو حكاية، والماء باب كل الحكايات حيث يظلُّ النهرُ ينجبُ الحكايات تباعاً؛ ونظراً لهذا الارتباط والاقتران بين الحكايات والماء والانهار جاء العنوان الثانوي (كتاب الماء والنخل) لـ (قبل خراب البصرة) حيث اختزنتْ ذاكرة الشاعر (البصراوي) صور النوستالجيا المنبثقة من جريان الأنهار المتعددة وحضور الماء ..
ولكن هل أفسدت الأنهار والمياه مدينة البصرة أَمْ أنَّ البصرة هي التي خَرَّبت المياه والانهار؟.
ومن أجل الدخول الى كل حكاية من فصول الكتاب يجترحُ المؤلف شخصية (الراوي) الذي يدخلهُ الى تلك الأبواب وهي النواة الأساسية التي تشكّل منها الكتاب، ويعملُ على توكيد ووجودِهِ وحضورِهِ ببعض الإشارات والعبارات مثل (يقول راوي الحكايات) و (هل يضيفُ الراوي شيئاً آخر).
وفي سرد الحكاية لكل (باب) تتجلّى لغة الشاعر طالب عبد العزيز خاصةً وهو يمزجُ بين السرد الحكائي بطابعهِ القصصي وبين لغة الشاعر العالية بسحرها وحساسيتها المرهفة، حيث تنطُّ روح الشاعر هنا، وهناك في متن حكاياهُ وهو يتحسّسُّ الفقدان والزوال في حياتهِ وذكرياته عنها وخاصةً ذكريات الطفولة العتيقة التي تمتد جذورها مع النخل والماء والبساتين وتغوص في الأرض عميقاً مثل الماء وهو يتخلل جسد الارض ويستقرُّ هناك في الأعماق حيث يرقد المعنى الأسمى لمثل هذه الحكايات- الذكريات التي تؤكدُ دلالة عميقة وكبيرة واحدة تشير الى فكرة الارتباط بالأرض والماء .
وداخل متن السرد الحكائي يأخذك المؤلف الى التاريخ القديم، ومن ثم يرجعك الى التاريخ الحديث، وبعدها يصطحبُكَ مَعهُ إلى السنوات القريبة، ثم سرعانَ ما يقذفُ بكل هذا في دوَّامةٍ شعريةٍ كأنها تريد أن تفلت من ذلك الثقل التاريخي الذي ترزحُ الأمكنة تحتَ وطأتهِ .
إنَّ خصائص المكان (البصراوي) والتجربة الحياتية المُعاشة تتم عملية استحضارها من خلال فكرة مركزية هي (وعي المكان) محمولةً الينا على جناحيْ متن سردي- حكائي: فذاكرة الشاعر هي التي تحتفي بالمكان العام والمكان الشخصي الحميم وتؤرخ لتحولاتِهِ وتقلّبات الزمن عليه، فالوحدة الكبرى للمكان ثابتة، ومستقرة لكنَّ الزمن التاريخي هو المُتغيِّر والمُتحوِّل دائمأً حيث لا توقّفَ لجريان نهر الزمن فيهِ وعليهِ؛ لكن هذا التقاطع الحاصل بين الزمن والأمكنة (البصراوية) قد يُحدثُ أو يتركُ آثار الزمن على تلك الأمكنة ويُحدث فيها تغييراً، أو قد يُمحى المكان الخاص بفعل الزمن .
إنَّ الشاعر الكاتب طالب عبد العزيز في (قبل خراب البصرة) لا يتخيلُ مكاناً مُعيّناً، بل هو يكتبُ نصاً مكانياً عاشَهُ وتوغَّلَ في تفاصيلِهِ وأعماقِهِ، وها هو يُسجّلُ يومياته الماضية ويرسخها في ذاكرة عقل 
شعري يغوص في أعماق التجربة ويُعيدُ صياغتها.