الآثار التنموية للتعداد العام للسكان

اقتصادية 2019/02/12
...

عبدالزهرة محمد الهنداوي
 
 
بدأنا اجراء التعداد في العام 1927 وتوقفنا في العام 1997، فهلا واصلنا المسير؟؛ فيما اعلنت وزارة التخطيط عن نيتها تنفيذ التعداد العام للسكان عام 2020، وإنها بدأت استعداداتها لهذا الحدث المهم الذي طال انتظاره كثيرا، من خلال الشروع بتشكيل فرق العمل المتخصصة، وتم تغطية خطوات الاستعداد هذه من خلال تخصيص مبلغ مالي مناسب ضمن مشروع موازنة 2019 ، فيما اذا وافق عليها مجلس
النواب.
عاد الحديث مرة اخرى عن تسييس التعداد وإخراجه عن مساره الصحيح، الامر الذي سيجهض المشروع كما اجهض عام 2010، قبيل اسابيع قليلة من انطلاقه.. ولعل فكرة ربط مخرجات التعداد بأجندات سياسية، مبعثها عدم الفهم الحقيقي لأهداف هذا المشروع الحيوي، اذا افترضنا حسن النية في عدم الفهم هذا، اما اذا افترضنا غير ذلك، فان الامر يعني ان ثمة محاولات فعلية لمنع تنفيذ التعداد!
وفي كلا الحالتين، فان الامر يتطلب الكشف عن الاهداف الحقيقية للتعداد بعيدا عن الصراعات السياسية، وما يترتب على تلك الاهداف من اهمية من دون تحميله اي نتائج ذات صلة بالواقع السياسي، كعملية اجرائية، انما 
كنتائج.
نعم.. يمكن القول ان التعداد العام للسكان  يعطينا الرقم الحقيقي للسكان وبالتالي يمكن حساب اعضاء مجلس النواب بحسب تلك النتائج، اما عدا ذلك، فان كل ما ينتجه التعداد من مؤشرات، انما هي تخدم التنمية على المديين المتوسط والبعيد، فهو يعد بمثابة لقطة لواقع معين في لحظة معينة.
ومن خلال قراءة تفاصيل تلك اللقطة يمكن الوصول إلى الواقع الحياتي وخصائص السكان في ذلك الواقع، لان احتساب الكثافة السكانية بنحو دقيق يساعد في الحصول على البيانات التفصيلية لتلك الخصائص، الامر الذي يساعد ويسهم في دعم عمليات رسم الخطط والسياسات الاقتصادية والتنموية، كما انه يحدد بدقة الحاجة إلى الخدمات مثل الصحة والتعليم والماء والكهرباء والطرق وكل ما يرتبط بمتطلبات حياة الانسان، لاسيما مع صعود العراق مع المجتمع الدولي ضمن عربة اهداف التنمية المستدامة 2030 التي تدعو إلى محاربة الفقر والجوع وتوفير الخدمات والمحافظة على البيئة.
مثل هذا الامر يتطلب بيانات دقيقة تساعد في معرفة ما تم تحقيقه وما سيتم من اهداف التنمية المستدامة الـ (17) كما تسهم نتائج التعداد في تحليل وتقييم المتغيرات الاقتصادية والديموغرافية التي يشهدها العراق بدقة، بعد مرور نحو 22 عاما على تنفيذ اخر تعداد سكاني في البلاد عام 1997 والذي لم يكن تعدادا متكاملا لأنه لم يشمل اقليم كردستان في 
حينه.
إزاء ما تقدم، تظهر بوضوح اهمية التعداد العام للسكان الذي ينبغي ان يجرى كل 10 سنوات، بهدف توفير قاعدة البيانات الشاملة والكاملة عن الواقع الفعلي والتي يمكن من خلالها النظر تنمويا على مدى 10 سنوات مقبلة في طريق مقمر، بدلا من الاعتماد على التنبؤات والتكهنات، التي قطعا لن تكون دقيقة كما هي نتائج  التعداد، ومثل هذه الدقة تتحقق من خلال الاسئلة المتنوعة التي تتضمنها استمارة السكان والمساكن، التي تُعد من قبل خبراء متخصصين وبدعم فني وخبرات من منظمات الامم المتحدة وفي مقدمتها صندوق الامم المتحدة للسكان ، ما يجعلنا مطمئنين على ان البيانات ستكون دقيقة، خصوصا ان الحديث يجري عن عزم الجهات المعنية استخدام التقنيات الالكترونية في تنفيذ التعداد، وليس كما جرت العادة باستخدام الورق، الامر الذي سيضمن الدقة والسرعة في قراءة 
النتائج. 
ومن المؤكد ان اهمية بهذا المستوى توجب على الجميع العمل على دعم وإنجاح مشروع التعداد العام للسكان في نسخته التاسعة ضمن مجموع التعدادات التي شهدها العراق منذ عام 1927 ، والرابع بين التعدادات التي نفذها الجهاز المركزي للإحصاء، اذ كان تنفيذ تعدادات (1927 - 1934 - 1947 - 1957 - 1965) من قبل وزارة الداخلية، لأننا، وبصراحة متناهية، فيما لو سعى البعض إلى عرقلة المشروع فإننا سنكون امام تكرار سيناريو 2010 ، فبعد ان استُكملت الاستعدادات كافة والتي تضمنت تدريب 350 الف عداد وطبعت نحو 15 مليون استمارة وتم تنفيذ عمليات الترقيم والحصر في عموم البلاد، وكل تلك الجهود التي استغرقت نحو سنتين انفقت عليها اموال ليست بالقليلة، ولكن في نهاية المطاف اصطدمت عربة التعداد بملفات مفتعلة ، كان الهدف من اثارتها، اما جهلا، او عمدا.. ومن الان  علينا ان نرفع شعار (نعد ، لنستعد)، والاستعداد هنا يعني بناء قاعدة البيانات الشاملة عن واقع التنمية ، لننطلق من خلالها نحو غد
افضل.