جدل الأمن وخصخصة السيادة

آراء 2019/02/23
...

محمد شريف أبو ميسم 
 
يحتدم الجدل هذه الأيام حول موضوع الاعداد لقانون "انسحاب القوات الأمريكية من العراق" وهنا لابد من تثبيت حقيقة مفادها ان البلاد تخوض حالة من التحول نحو شكل جديد لم يعرفه العراقيون من قبل، على ضوء ما تم التأسيس له خلال سنوات المرحلة الانتقالية التي استغرقت نحو ستة عشر عاما، والتي شهدت تشريع كثير من القوانين وتوقيع الكثير من الاتفاقيات مع الجانب الأمريكي ومع مؤسسات العولمة الاقتصادية التي تعمل في اطار ثالوث الليبرالية (الحرية- الملكية- المسؤولية 
الغير ملزمة) على منح العلوية لسلطة رأس المال في تنظيم ملامح شكل الدولة وفق نظام ليبرالي يتعمّد خصخصة وظائف الدولة تدريجيا وفق المنحى الاصلاحي الذي فرضته شروط مؤسسات العولمة الاقتصادية التي تقف خلفها الشركات التي تحكم العالم، بمعنى ان القوانين التي شرّعت ولم تدخل حيز التطبيق
وتلك التي ستشرّع بعد أن بقيت مسوداتها حبيسة الأدراج على مدار سنوات الارباك التي شهدتها البلاد، فضلا عن التعديلات المتوقعة للبعض منها من قبيل التعديل المقترح بمنح عائدية الأرض للمستثمر الأجنبي في قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 ستفرض واقعا جديدا تتكامل فيه علاقات تلك القوانين بما يمنح التواجد الأجنبي صفة قانونية تحت مظلة الاستثمار الأجنبي، الذي ستتدفق رساميله مع اختفاء مظاهر التسلح من الشارع العراقي بعد دخول نصوص قوانين ذات علاقة بهذا الشأن، ليكون قانون هيأة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 في صدارة الأدوات القانونية التي تسقط الشرعية عن أية تنظيمات مسلحة خارج أمرة القائد العام للقوات المسلحة.
فيما سيكون "قانون الأسلحة" رقم 51 لسنة 2017 ، داعما له فيما يتعلق بتفاصيل منع حيازة السلاح الشخصي دون ترخيص، باتجاه وجود دولة ضامنة لسلامة الأجانب على
أراضيها. 
ونقول داعما له ، بموجب ما جاء في الأسباب الموجبة لقانون الأسلحة الذي لفت الى (تنظيم أيلولة السلاح الذي تقرر المحكمة مصادرته)، وكلمة (أيلولة) تعني في معاجم اللغة (عودة مِلْك أو حقّ عند حلول أجل معيَّن أو تحقُّق شروط
بعينها). 
وهذا المعنى يلزم الجميع بإعادة أسلحتهم الشخصية إلى الدولة، بعد أن اختفت العمليات الارهابية واستتب الأمن. أما معنى (ولغرض وضع قانون يستوعب التطورات التي طرأت ووضع ضوابط جديدة لحيازة وحمل السلاح) فهو يعني 
لا وجود للسلاح خارج سلطة الدولة الا في اطار القوانين من قبيل قانون الشركات الأمنية الخاصة رقم 52 لسنة 2017. 
وفي هذا السياق القانوني لا يمكن الاعتراض على وجود الشركات الأمنية الأجنبية، في ظل عراق ليبرالي تقوده الرساميل ويراد له أن يكون نموذجا لليبرالية الجديدة في الشرق الوسط، اذا علمنا ان ظاهرة خصخصة الأمن ليست جديدة في الدول الليبرالية اذ تستحوذ شركات العولمة الأمنية على نحو 70 بالمئة من الفعاليات اللوجستية في الجيش الأمريكي، حيث يمتد عملها خارج مساحة توفير الحراسة والحماية للأشخاص والممتلكات والقوافل والمنشآت، بحسب مصادر، الى وسائط الدعم اللوجستي، والتخطيط الاستراتيجي والاستخبارات والتحقيق والاستطلاع البري أو البحري أو الجوي، وكذلك عمليات الطيران أيّا كان نوعها، والدعم المادي والتقني للقوات المسلحة، والتنسيق مع مختلف الدوائر والمؤسسات الدبلوماسية للدول العظمى، وامتلاك السجون ومدخرات للأسلحة، وتشغيل وصيانة نظم الأسلحة وتقديم المشورة أو التدريب للقوات المحلية، وامتلاك معسكرات التدريب، وهو ما يشكل تهديدا واضحا للسيادة التي تمثل أبرز سمات الدولة للمحافظة على هيبتها، فبعدما كانت الأخيرة منوطة بالقبضة الحديدية المتمثلة في القوة الأمنية والعسكرية، أصبحت هذه الشركات تُزاحم أجهزة العديد من الدول في بعض 
وظائفها.
ويقال ان حجم الإنفاق والتوظيف في القطاع الأمني الخاص داخل الولايات المتحدة، يفوق ما هو عليه في القطاع الأمني الحكومي الرسمي، "ففي عام 1990 وحدها أنفقت أمريكا نحو 25 مليار دولار على القطاع الأمني مقارنة بـ 30 مليار على الشرطة
الرسمية.
فيما نجد أن أكثر من 10 آلاف شركة أمن خاصة قامت بتوظيف نحو 1.5 مليون حارس". وبالتالي فان الجدل ينبغي أن يأخذ بنظر الاعتبار هذا التأسيس الذي ستكون نتائجه على الأرض مع الخطوات الأولى لتدفق رساميل
العولمة.