الباشا السعيد

اسرة ومجتمع 2023/10/01
...

غيداء البياتي


 

تمتلك بعض الشخصيات التي ألتقيتها في حياتي سواء من المقربين أو عن طريق الصدفة قدرا من السعادة والرضا، على الرغم من بساطة عملهم وشحة رزقهم، ما يجعلهم يحظون بنوع من الاستثناء، أو التفرد اللافت للنظر، وغالبا ما تكون شخصياتهم مادة تستهوي مؤلفي الروايات وصناع الدراما الباحثين عن الوجوه المستبشرة رغم البؤس.  

لا افترض أن بائع الشاي حمدي أو «الباشا» كما يحلو لأصحاب المحال التجارية في سوق الشورجة مناداته كواحد منهم، بل اؤكد ذلك عن يقين على الرغم من أنني حقا لم أعرف كيف توصلت لتلك القناعة هل بحكم مخالطتي بالكثير من المتأففين وأصحاب الوجوه الطاردة للنعمة؛ أو من خلال الكائن الفوضوي المتسكع في أعماقي الذي غالبا ما يبحث عن نموذج متفائل يبتسم بوجهه فيحصل على حسنة ويدعو الذي بأعماقي له بعشرة أمثالها كونه أهداه طاقة ايجابية جعلت الروح التي يسكن بها أكثر رضى وشكرا لله الذي أكرمها بنعم يفقدها غيره

 لايبدو حمدي « الجايجي» شابا ولا رجلا طاعنا بالسن يسير متجولا يبيع الشاي على التجار من أصحاب المحال للبيع بالجملة،  أبهرني بتواضعه، وخفة روحه،  فهو يدخل على زبائنه، يلاعب بأصابعه «استكانات» الشاي ويطربهم ببعض الاغنيات، أويقرأ أبيات شعر متنوعة عن الشاي العراقي، بينما ينهمك التاجر بهموم الدنيا والدينار وصعود الدولار، تعجبت كثيرا عن سعادة هذا الإنسان البسيط وتعاسة ذلك التاجر الذي عرفت أنّه يملك ثلاثة محال تجارية أخرى؛ شدني الفضول وروح الصحفي الذي يبحث عن كل شيء غريب وجميل فسألت «الباشا» السعيد: هل لديك أولاد؟ فأجاب نعم أربعة، وهل تكفي مهنتك هذه رعايتهم؟ فقال بالكاد طبعا لكنها مستورة والحمد لله، ثم سألته، من أين تستمد تلك السعادة وتبقى مبتسما؟ فرد بحكمة فيلسوف « الإنسان غني بنفسه وليس بما يملك» ؛ وأضاف أن والده أوصاه قبل وفاته بأن يكون قنوعا ولا يمد يديه لحرام، فالكنز الحقيقي هو الرضى عن كل ما قدمه الله له، ثم سكب لي استكان شاي وحلف بالله وعزته بأن لا يأخذ فلسا واحدا، ولوهلة ساورني الظن أنه من سلالة النبلاء التاريخية التي أنجبت أكرم الكرماء على وجه المعمورة.   

شكرا حمدي ليس لأنك اكرمتني بستكان الشاي بل لأنك جعلتني أدرك ولأول مرة بأنّ الدنانير والدولارات سبب رئيس لتصلب الشرايين ودوخة الرأس وأن القناعة كنزلا يفنى.