زواج الأقارب في المنظورات الطبيَّة والدينيَّة

اسرة ومجتمع 2024/01/07
...

  سعاد البياتي 

كثيراً ما نرى أطفالا من أسرة واحدة أو من عشيرة واحدة معاقين أو مصابين ببعض الأمراض الوراثيَّة، والتي يقال إنها متوارثة من الأجداد أو من اختلاف الدم، هذا ما أكدته الدراسات والبحوث الطبية في هذا المجال.

ومن خلال تواصلنا مع إحدى القرى القريبة من شمال العاصمة، وهم أقرباء بدرجة قريبة جداً أن معظم اطفالهم يعانون من عوق جسدي أو عضوي، نتيجة زواجهم من أقربائهم وبصورة متوالية، ما نتج عن ذلك هذه الإصابات والحالات المرضية بعضها وليس اغلبها.

الفحص الطبي

تؤكد معظم الدراسات العلميَّة والطبيَّة  عن الأمراض الوراثية الشائعة، أنها المسبب الرئيس للإعاقات والأمراض الطفولية، فالدم لا يتغير ويظلُّ يتداور بين الأقرباء، وأن العديد من المتزوجين لا يدركون أهمية الفحص الطبي قبل الزواج، وهذا ما أكده بالفعل الدكتور صباح الدباغ أخصائي أمراض الدم الوراثية وحسب وصفه أن أبرز الأمراض هي  أمراض هيموغلوبين الدم والهيموفيليا، وهي عدم تخثر الدم بأي اصابة تحدث او جروح في المناطق الرطبة، والعيوب الخلقية الاستقلابية والأمراض أحادية الجينات الشائعة، أنها السبب الرئيس للكثير من الأمراض والإعاقات لدى الأطفال.

مبيناً أن العديد من البحوث والتي لازالت تجرى حول هذا الموضوع (زواج الأقارب) تحدث من أبوين قريبين، أي أبناء العم أو الخال أو أبناء الأخت، وتستمر الزيجات بشكلٍ متوالٍ، حينما يكبرون الأولاد الذين يحملون الجينات المرضية، حيث تكون الفرصة أكبر لدى الزوجين من الأقارب في حمل صفات وراثية متنحية، عندما يكون كلُّ واحد من الأبوين حاملاً للصفة المسببة للمرض.

ونصح الدكتور الدباغ الأهل كافة، ولا سيما في المناطق النائية والريفية على وجه الخصوص أن يكونوا واعين لتلك القضية، ويبتعدوا قليلاً عن الزواج المتقارب بنسبة معقولة، وليست ممانعة بقدر ماتوخي الحيطة والحذر، وأن يواظبوا على الفحص قبل الزواج، فهي مسؤولية وواجب عليهم الحفاظ على صحة أولادهم . 


يُخطئُ ويصيب

يقول عباس العبيدي 55 عاماً إنه تزوج من ابنة عمه ورزقه الله بولدين وبنت، أحد الاولاد والبالغ 12 عاماً وُلِد بتشوه خلقي يدعى شفة الأرنب، الذي أثّر على حالته النفسية، وعند مراجعتنا لمختصين بيّنوا أنه يمكن أن يكون مرضا وراثياً، فقد شرحت له أن أخي الأصغر أيضا، ولدت له بنتٌ مصابة بالحول ، مما دعانا الالتفات إلى الحالة ومعرفة أسبابها.

حالة أخرى غريبة بعض الشيء، اذ تعاني الطفلة مها خضير ستة اعوام من عدة عوامل مرضية، منها العوق الذهني وضعف البصر، وحسب قول ذويها إنها ولدت طبيعية، ولكن بعد أشهر تدهورت حالتها الصحية، وصارت تتصرف بشكل غير اعتيادي ولا تستطيع المشي أو الكلام، رغم أن أشقاءها طبيعيون جداً، وبعد مراجعاتٍ عديدةٍ تبيَّن أنّها مصابةٌ بجيناتٍ وراثيَّة متناقلةٍ نتيجةَ الزواجِ الأقارب الذي يُخطئ أحياناً ويصيب احياناً . 


 التقارب الطبقي

حول هذا الموضوع تحدثت الأخصائية الاجتماعية سجى عدنان من أن الزواج من خارج دائرة الأقرباء له  كثير من الفوائد، منها تجنب الأمراض الانتقالية وزيادة الوعي والفكري والاجتماعي، وتوسيع التعارف بين الناس وزيادة الارتباط بينهم، كما يؤدي إلى خروج الزوجين من الدائرة الاجتماعية الضيقة، ووجود الأولاد الأصحاء والمتمكنين من حياتهم وحتى أشكالهم، التي تكون مختلفة وجميلة وعلى ،  قدرٍ عالٍ من القبول والتفاعل 

اما إيجابياته فتوضح عدنان من أنه رغم بساطته إلا أنه يعدُّ نوعاً من أنواع الارتباطات الزوجية الناجحة، ففيه يضمن التقارب الاجتماعي والطبقي وربما الثقافي، والبعض يصفه بأنه ارتباط متجانس ومتكافئ وبسيط، وبعيد عن الماديات والمفروضات كونه بين الأقارب المتحابين، الذي تذوب بفعل صلة الرحم . 


تفضيل لا تحريم

يوضح الشيخ مهدي المحمداوي عن ذلك بالقول: 

ورد في الحديث الشريف: (إذا جاءكم مَن ترضون خُلقه ودينه فزوّجوه، إلّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، فينبغي للمؤمن حقّاً أن يضع هذا الحديث نصب عينيه، وأن يأخذ بنظر الاعتبار إيمان الخاطب وخلقه، دون الاعتبارات الأخرى البعيدة عن نظر واهتمام الشريعة الاسلامية المقدّسة في أسس البناء الاجتماعي السليم.

فلا يوجد على الاطلاق نصٌ صريحٌ ينهي عن زواج الأقارب، وخشية أن تترسخ بعض الصفات الوراثية السلبية؛ فيكون من باب التفضيل وليس من باب التحريم،  وأحيانا  نجد أقرباء ارتبطوا من بعضهم وهم في كمال العقل وسلامة الجسم مع الالتزام في الدين فيراعى كل أمر، ولا مانع من أراد أن يتزوج من إحدى قريباته أن يجري فحصا طبيا، ليتأكد من عدم وجود موانع صحية لا تؤهله للزواج،  فربما كانت هناك اعتبارات اجتماعية تشجّع الزواج من الاقارب، فالزواج من الأقارب مباح في الأصل، على أن تراعى الظروف الاجتماعية والصحية، في كل حالة من الحالات دون القياس على أخرى، وان ثبتت في الاختبارات الصحية قبل الزواج بعض الأمراض الوراثية وحاملين للمرض، عند ذلك يصح الزواج من غير الأقرباء أو من غير العشيرة التي ينتمون إليها.