العلاقات العربيَّة – العربيَّة.. من الانكسار إلى الانتظار

آراء 2025/03/19
...

 د. هاني عاشور 


ربما اكثر شيء ينتظره العرب هو رؤية موقف عربي موحد وخطاب عربي مطمئن لأبرز القضايا المصيرية، فمنذ نهاية الاحتلال العثماني للدول العربية، وبروز سيطرة الغرب الاوربي ( فرنسا – بريطانيا – ايطاليا ) كان الموقف العربي مشتتا حسب اهواء المستعمرين، ولكن الرؤية العربية الوحيدة كانت التحرر من السيطرة الاجنبية، وتحقق ذلك بثورات تحررية، لكن تلك الرؤية ضعفت وتبددت عندما تحول كل بلد إلى سلطة منفصلة من عن مضمونها العربي، وحتى ما كان يطلق عليه الفكر القومي، كان سلطة مهيمنة محليا في دول محددة أكثر من أنه رؤية عربية موحدة. 

ومع نيل بعض الدول العربية ما يمكن أن يسمى الاستقلال كانت الفكرة المطروحة آنذاك لتوحيد الموقف هو انشاء جامعة الدول العربية، لتكون غطاء للموقف، وقد تكونت في 22 آذار - مارس 1945م أي قبل منظمة الأمم المتحدة بشهور، وتألفت في أول وقتها من سبع دول عربية كانت تتمتع بشبه استقلال سياسي وقتذاك، هي: مصر، سوريا، المملكة العربية السعودية، شرق الأردن، لبنان، العراق، اليمن، وتم اختيار القاهرة مقرا للجامعة، واصبحت ملاذا عربيا للدول التي تستقل، بينما اختلف العرب من الدول المؤسسة على التسمية، وكان ذلك أول خلاف من نوعه، فقدت أرادت سوريا اسم «التحالف العربي» أما العراق أراد اسم «الاتحاد العربي»، إلا أن الوفد المصري رأى أن اسم «الجامعة العربية» أكثر ملاءمة وتوافقا مع أهداف الدول العربية.

 لم تكن مواقف الدول العربية متوافقة بينها وفق انظمة الحكم ملكية أو جمهورية، كما لم تكن تمتلك الأبعاد الكافية وفق قانون الجامعة العربية الذي ركّز في البدء على الجوانب الاقتصادية والثقافية وتشجيع استقلال الدول العربية التي بقيت خاضعة للاستعمار، ولكن امام أول اختبار تشتت الموقف العربي الجامع في نيسان – ابريل 1948 مع قيام الكيان الصهيوني باحتلال اراضي فلسطينية وتهجير اهلها، فأقرت الجامعة العربية إرسال الجيوش العربية للدول المنضوية تحتها لرد العدوان، فكان الانكسار العربي سيد الموقف في تلك الحرب، واكتفت الجامعة العربية كصورة للعلاقات العربية – العربية أن تنصح أعضاءها باستقبال المهجرين الفلسطينيين.

وتكرر ذلك الموقف في عام 1967 على الرغم من أن الدول العربية، التي نالت التحرر ضاعفت عدد اعضاء الجامعة العربية ثم تكرر عام  1973، ثم انهار بعد اتفاقية كامب ديفيد، ليتحول مقر الجامعة العربية إلى تونس حتى بداية التسعينيات ثم يعود إلى مصر، ليفقد العرب موقفهم الموحد، وتضاعف الفقد بعد غزو العراق للكويت، فانهار كل خطاب عربي يدعو لعلاقات عربية – عربية منصفة.

واستمر المسلسل الانكساري في الصراع العربي – الصهيوني، حتى اصبح في السنوات الاخيرة يحمل اسم ( الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني ) لتختفي مفردة ( العربي )، وزادت مع تطور التكنولوجيا الحديثة وظهور البث الفضائي وخدمات التواصل الاجتماعي حدة الخلافات ونيل الدول العربية من بعضها، حتى أصبح هاجس الإعلام هو تحطيم أي خطاب عربي موحد، بل أصبحت فكرة تأييد الانقلابات في الدول العربية مهمة عربية قبل أن تكون مهمة الاستعمار القديم.

لقد اصابت المواطن العربي حالة من اليأس وبدأ في انتظار موقف عربي موحد من اية قضية عربية، ولكن الانتظار يطول ويطول، ليصل إلى مرحلة الانكسار الثانية، ليعيد فكرة الانتظار التي لا أفق مضيئا فيها، والسؤال العربي الأكبر.. هو.. هناك من بصيص في آخر النفق، حتى الان نتمنى، ولا نظن أننا 

سنراه.