100 قطعة أثريَّة فلسطينيَّة في معهد العالم العربي في باريس

ثقافة 2025/03/26
...

يقظان التقي


كان يمكن لأفروديت الفلسطينيَّة من الرخام أنْ تختفي، سحق الاحتلال الإسرائيلي متحفَ (جودت خضري الخاص) في غزّة وحوَّلَه ٳلى رمادٍ في العام 2024، أو اختفى مثل آلاف التماثيل القديمة أو العملات المعدنيَّة أو المحفورات التي لا يعرف مصيرها بعد ستة عشرة شهراً من الحرب بين الكيان الصهيوني وحماس.

ٳنها معجزة، أنْ ينتقل التمثال، آلهة الحب، في صندوق من ميناء غزّة قبل الحرب مع عدة مئات من القطع الثمينة الأخرى مع جودت الخضري (أحد أغنى الرجال في غزّة) ٳلى القاهرة ثم ٳلى جنيف، حيث أعارها مندوب السلطة الفلسطينيَّة لمعرضٍ كبيرٍ في متحف الفن والتاريخ، ولفترة طويلة، والآن تعرض في باريس.

اعتباراً من 2 نيسان المقبل، سيتمُّ عرض نحو مئة قطعة في معهد العالم العربي في باريس تحت عنوان "أنقذت من غزّة 500 سنة من التاريخ".

المقاربة الجيوسياسيَّة المعذبة، تحت الحدث الثقافي، وكل شيء جاهزٌ للعرض بالتزامن مع إعلان الرئيس الأميركي سيطرته على القطاع الفلسطيني بعد تهجير سكانه.

خمسة آلاف سنة من التاريخ الفلسطيني الذي يريد ترامب رميه في البحر في برنامج الريفييرا الفني الخاص به، ويردُّ مدير المعهد جاك لانغ مذكراً "غزّة لم تكن دائماً حقلاً من الخراب أو سجناً في الهواء الطلق". في العصور القديمة كان هذا الشريط الساحلي يمثل ميناءً مزدهراً ومفترق طرق التجارة بين آسيا وأفريقيا.

الكنوز التاريخيَّة التي تمَّ إنقاذها تعني استعادة تاريخ المجتمع الغزّي الذي دمرته الحرب، وتكريم العمل الٳنساني الذي استشهد من أجله الكثيرون، وفي الشرق الأوسط تعدُّ الثقافة ساحة معركة والآثار سلاحاً مثالياً، إذ يثير عالمُ الآثار الأفكار والعواطف.

عالم التاريخ في غزّة قديم، يمتدُّ ما بين مصر وبلاد ما بين النهرين، وتعود عمليات التنقيب ٳلى منتصف القرن التاسع عشر، مع تسارع الفصول في ظل الانتداب البريطاني، وفي العام 1938، أدت الاضطرابات في فلسطين الى تباطؤ حركة التنقيب، وجرى استئنافها على أساس متخصص علمي عام 1967، لا سيما في دير البلح، وفي أعقاب اتفاقيات أوسلو 1993، وتمَّ التعاون على ٳقامة تعاون أثري (فرنسي – بريطاني) تحت قيادة دائرة الآثار الفلسطينيَّة ومدرسة الكتاب المقدس في القدس.

ثروة باطن الأرض في غزّة لا تقدر ولا تصدق، ضربة معّول وتخرج العجائب في شهادات الحضارات المصريَّة والآشوريَّة واليونانيَّة والرومانيَّة التي تعاقبت على الأرض. تمَّ افتتاح مواقف أثريَّة في بلدة النصيرات وفي مربع بلخيا، ميناء أنشيدون اليوناني القديم الذي تأسس حوالي عام 520 قبل الميلاد، وموقع أثري في جباليا 1996، بقايا مجتمع جنائزي بيزنطي جنوب غرب غزَّة (يسلط الضوء على العلاقات المصريَّة الفلسطينيَّة).

قاد جان بابتيست همبرت عمليات التنقيب عام 1995 في ظروفٍ معقدة للغاية بسبب الحصار للقطاع من قبل الإسرائيليين والانقطاع المتكرر للحفريات بسبب القصف.

في هذا الشريط الضيق من الأرض يشتبك التطور العقائدي بتهديدات أخرى، وهنا جاء دور جودت الخضري الذي عثر مع مجموعة من مالكي الأرض على أوانٍ زجاجيَّة من العصر الأموي (القرن السادس) في العام 1986، وعمل على إنقاذ بقايا الأرض الصلبة، وجمع مع رجال الأعمال والصيادين آلاف القطع من جميع الأنواع والعصور وعملات مقدسة وشظايا ورخاماً، وقام بتبييتها عام 2008 في متحف عزله بالقرب من المجتمعات السكنيَّة. 

الآثار تظهر الجذور، الوجود الفلسطيني على الأرض، العديد من التيجان الرخاميَّة. لعب الخضري دوراً مهماً في مواجهة أعمال السرقة للتراث الأثري والإهمال الذي تحول قصدا إسرائيلياً لتدمير التراث.

عام 2000 عرض الحضري 220 قطعة تعود للسلطة الفلسطينيَّة تحت عنوان "غزّة البحر الأبيض المتوسط" وقام بجولة أوروبيَّة لسنوات، قبل أنْ تهبط الأعمال 2007 في جنيف، وأضاف إليها 300 قطعة مستعارة من متحفه. وكان الهدف إنشاء متحفٍ أثري بتكلفة 30 مليون دولار على مساحة 20 ألف مترٍ مربعٍ في بلجيكا برعاية اليونيسكو، ثم طلبت السلطة الفلسطينيَّة من الحضري الاحتفاظ بنحو 500 قطعة حتى تهدأ الأحداث. لم يعد ممكناً إعادتهم من جنيف الى غزَّة بموجب عقدٍ مع السلطة الفلسطينيَّة وليس مع حماس، وتحول ميناء جنيف الى مستودع للقطع منذ نحو عشر سنوات. كان الحضري ينتظر العودة بالكنز الى رام الله، لكنَّ الحرب قضت على كل أمل.

في تشرين الأول الماضي بمناسبة الذكرى السبعين على توقيع اتفاقيَّة لاهاي بشأن حماية الممتلكات الثقافيَّة في حالة النزاعات المسلحة، أفرجت وزارة التراث الثقافي في جنيف عن 44 قطعة من الصناديق التي تحتوي على هذا التراث في المنفى.

المعرض في باريس يمثل لحظة فنيَّة قويَّة سياسيَّة لرؤية غزّة التاريخيَّة والحضاريَّة مع عدم اليقين باستقرار الأوضاع في المنطقة وشهادة حياة ما بعد الموت، ما بعد الدمار، ويعيد تشكيل فضاء تشكيلي وتاريخي لا تقوى عليه آلة الإبادة الٳسرائيليَّة، ما يتسبب بفقدانٍ لا يعوض للآثار الإنسانيَّة والتاريخيَّة، غير الدينيَّة مثل الكنائيس والمساجد والمعابد، التي تعود الى فترات تاريخيَّة بعيدة، وغالباً ما تكون من الضحايا، ما يمثل خسارة كبيرة للبشريَّة جمعاء مع سحق الحجر والطوب والمواد الأصليَّة التي استخدمت في بنائها، فضلاً عن فقدان التفاصيل الفنيَّة والزخارف والنقوش الجداريَّة والفسيفساء والزجاج الملّون، وتفاصيل كثيرة تعبّر من الكثير من مواد العرض التي دمرتها الحرب وتمثل فتراتٍ زمنيَّة وثقافات محددة. المعرض الباريسي يهدف الى التذكير بقيمتها التاريخيَّة والفنيَّة الأصيلة.

تراث غزّة يمتدُّ لآلاف السنين ضحيَّة كبرى لحرب الإبادة التي تشنها دولة الكيان الغاصب منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، غير استشهاد وجرح عشرات الآلاف من المدنيين ودمار المستشفيات والمدارس والخراب.

يعمد الاحتلال الى سحق المواقع الأثريَّة والتاريخيَّة المهمّة في الشريط الغني بالحضارات المتعاقبة والعصور القديمة، مثل الحضارة الفلسطينيَّة القديمة والحضارة الكنعانيَّة والفترة الرومانيَّة والبيزنطيَّة والإسلاميَّة.

مادة أركيولوجيَّة تمثل تداخل 5000 آلاف عامٍ من الحضارات، نافذة للعالم العربي على البحر المتوسط، ومفترق تجاري لا سيما للبخور والحرير والعطور من آسيا. بنى المصريون مواقع محصنة هناك منذ 3500 عام قبل الميلاد، وبعد ألفي عام كان الفلسطينيون أهل البحر، هم الذين استقروا على الساحل قبل أنْ تقع المنطقة تحت سيطرة آشور وبابل. ثمّ بلاد فارس والفترتين اليونانيَّة والرومانيَّة.

لم يسلم أي موقع من القصف. مركز مدينة غزّة القديمة (قلعة غزّة)، كان الأكثر تضرراً، تل السكّري (العصر البرونزي والكنعاني)، قبر سيدي حسن، والماضي العثماني تمَّ تدميره بشكلٍ كاملٍ، والمسجد العمري أقدم مسجد في غزّة دمر ومكتبته، وما بقي ّمنه ركام ومئذنة (نجا لعدة قرون من الزلازل وغارات فرسان الهيكل والأيوبيين ومن القصف البريطاني)، وحمامات السمارة التركيَّة في حي الزيتون، وكنيسة القديس بورفيريوس للروم الارتذوكس، والخانات المملوكيَّة، أو قصر الباشا (مبنى عثماني في القرن السابع عشر)، كنيسة جباليا البيزنطيَّة وفسيفساؤها النادرة التي تبلغ مساحتها 500 متر مربع، والى الجنوب دير القديس هيلاريون، الذي سميّ على اسم الرهبنة الفلسطينيَّة (القرن الرابع) الى متاحف في الهواء الطلق (رينيه إلتر) لجودت الخضري ولمحمد أبو الحياة. ولا تعرف حالة المباني التي كانت تضم الرواسب الأثريَّة، والتي تمثل عقوداً من الحفريات.

أكثر من 200 موقع أثري مدمر كلياً، أو جزئياً من أصل 350 موقعاً في القطاع الفلسطيني.

قد يساعد المعرض على توفير الدعم والمساعدة لتقديم الرعاية للآثار المتبقية، ولضمان الحفاظ على هويَّة شعب وتاريخ، وهي تحملُ قصصاً وتقاليدَ عميقة في التراث الٳنساني للأمم.