نواب يقللون من تأثير التعرفة الجمركية الأميركية على العراق

الثانية والثالثة 2025/04/06
...

 بغداد: شيماء رشيد ومهند عبد الوهاب


في وقت اتخذت فيه الإدارة الأميركية إجراءات جديدة تمثلت بفرض رسوم جمركية على الواردات من عدد كبير من دول العالم، قلل مختصون واقتصاديون ونواب من تأثير تلك الإجراءات في الاقتصاد العراقي بشكل مباشر، نظراً لمحدودية العلاقات التجارية بين بغداد وواشنطن، باستثناء صادرات النفط.

وعلى الرغم من "تقليل التاثيرات المتوقعة بعد قرار ترامب" إلا أن الخبراء والمراقبون الذين تحدثوا لـ"الصباح" طالبوا بأن يبادر العراق إلى اتخاذ سلسلة خطوات عاجلة لتقليل الاعتماد على إيرادات النفط المتقلبة وفتح التبادل التجاري مع دول متعددة بتنويع الصادرات وتوفير بيئة استثمارية مستقرة لجذب الاستثمارات الخارجية لتنفيذ المشاريع المحلية، فضلاً عن إدامة الحوار الدبلوماسي مع واشنطن لدفع إضرار إمكانية فرض رسوم على التحويلات العراقية للدول عند التسديد بغير الدولار. 


حديث المستشار

المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء، الدكتور مظهر محمد صالح، أكد أن "الرسوم الجمركية الأميركية لا تشمل النفط والغاز، وهو ما يضع العراق في منأى عن هذه السياسات".

وأضاف صالح، في حديث لـ"الصباح"، أنه "لا توجد لدينا صادرات أخرى تستحق الذكر إلى أميركا كي تفرض عليها رسوماً مؤثرة، وحتى الصادرات غير النفطية التي قد تُفرض عليها رسوم جمركية سترتفع إلى 78بالمئة فقط إذا لم يتم الدفع بالدولار، لكنها محدودة جداً ولا تمثل ثقلاً اقتصادياً".

وبيّن، أن "صادرات العراق النفطية إلى الولايات المتحدة لا تتعدى 5 مليارات دولار سنوياً"، معتبراً أن السوق الأميركية "ثانوية" مقارنة بالصين والهند، اللتين تستوردان 70بالمئة من نفط العراق، وأشار صالح إلى أن "الولايات المتحدة ليست من بين الدول الرئيسية التي يستورد منها العراق، حيث تأتي تركيا، الصين، الهند، الإمارات ودول أوروبية في مقدمة الدول المورّدة".

لكن المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء، حذّر من احتمالية أن تطول الإجراءات الحمائية الأميركية "الجوانب المالية" في العراق، وقال: إن "المخيف أن تتولى المصارف الأميركية فرض رسوم على تحويلات العراق إلى بلدان أخرى عند التسديد بغير الدولار، أو فرض رسوم على عوائد استثمار الاحتياطيات الدولارية في أميركا، ما سيرفع من كلفة التجارة الدولية".

وأضاف، أن "الدولار الأميركي هو العملة المستخدمة في صادرات العراق النفطية إلى أهم أسواق العالم، إذ تصل نسبته إلى 70بالمئة من الصادرات إلى الهند والصين وبقية أنحاء العالم". ومع ذلك، أشار صالح إلى "القلق من إمكانية تحويل الدولار المودع في الولايات المتحدة إلى عملات أخرى لأغراض الاستيراد من دول خارج نطاق الدولار، وهو ما يشكل مسألة غامضة، خاصة في ما يتعلق بتعامل المنظومة المصرفية العالمية مع التحويلات من الدولار إلى عملات أخرى، خصوصاً في البلدان التي تعتبرها الولايات المتحدة (مارقة)".

وأكد صالح، أن "هذه المسائل هي جزء من شبكة معقدة من الحروب التجارية التي يصعب تفكيكها في الوقت الحالي، وأن العراق في انتظار حلِّ هذه العقد بالتدريج".


تداعيات وتأثيرات

من جهته، أكد عضو اللجنة المالية النائب جمال كوجر، أن "قرارات ترامب الأخيرة لا تؤثر بشكل مباشر في العراق، لأنها تدخل في إطار ردود الفعل الاقتصادية العالمية، التي أثرت في أسعار النفط والذهب والتجارة، لكنها ليست دائمة وقد تعود إلى طبيعتها لاحقاً".

وأضاف كوجر، في حديث لـ"الصباح"، أن "العراق لا يعتمد على السوق الأميركية في الاستيراد أو التصدير باستثناء النفط، وبالتالي لا توجد تداعيات حقيقية على الاقتصاد العراقي، خاصة أن الأسواق العالمية توفر بدائل متعددة".

ويُصدّر العراق حالياً ما بين 7 إلى 8 ملايين برميل من النفط الخام ومشتقاته شهرياً إلى الولايات المتحدة، وتشكل هذه الصادرات الركيزة الأساسية للصادرات العراقية، وهي لا تتأثر بالإجراءات الجمركية الأخيرة، بينما تستحوذ الهند والصين على أكثر من 75 بالمئة من إجمالي صادرات العراق النفطية، فيما تقف الصادرات الأميركية إلى العراق بدرجة أقل بكثير من قيمة الصادرات التي توردها الصين والهند وتركيا وإيران ودول الخليج العربية للعراق.


تحرك استباقي

أما عضو لجنة الاستثمار النيابية النائب ضياء هندي الحسناوي، فقد حذّر من التداعيات المحتملة لهذه الرسوم الجمركية على بيئة الاستثمار والتبادل التجاري، مشدداً على ضرورة التحرك الاستباقي لحماية الاقتصاد الوطني. وقال الحسناوي في حديث لـ"الصباح": إنه "رغم أن النفط مستثنى من الرسوم التي أعلنها الرئيس الأميركي، إلا أن السياسات الحمائية قد تؤثر بشكل غير مباشر في سلاسل التوريد وأسعار الطاقة، ما سينعكس على إيرادات العراق المالية". 

ودعا الحسناوي، إلى "تنويع الصادرات، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية، وتعزيز العلاقات التجارية مع شركاء اقتصاديين جدد"، مشيراً إلى "أهمية توفير بيئة استثمارية جاذبة من خلال التسهيلات وتفعيل المشاريع المحلية".

كما شدد الحسناوي على "أهمية استمرار الحوار مع واشنطن ضمن اتفاقية الإطار الستراتيجي، للحفاظ على مصالح العراق الاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بالصادرات غير النفطية، التي تُعد مصدر رزق مهم لشرائح واسعة من المواطنين".

ومع دخول استحصال الرسوم التي فرضها ترامب حيز التنفيذ، وفي ظل التحولات التي تشهدها السياسة التجارية العالمية، ورغم أن قطاع النفط، الذي يمثل النسبة الأكبر من إيرادات العراق، لم يتأثر مباشرة بهذه الرسوم، فإن التأثيرات المحتملة تمتد إلى عدة قطاعات أخرى، مثل التجارة الخارجية، والاستثمار، والقطاع المالي، حيث قد تؤدي زيادة التكاليف الجمركية إلى تراجع القدرة التنافسية للمنتجات العراقية في الأسواق الخارجية، لا سيما في السوق الأمريكية. 

كما قد تُسهم هذه الإجراءات في زيادة الضغط على الشركات العراقية التي تعتمد على التصدير، مما قد ينعكس على معدلات النمو الاقتصادي وفرص العمل، ويصبح من الضروري للحكومة العراقية اتخاذ تدابير ستراتيجية للتعامل مع هذه التحديات، من خلال البحث عن أسواق بديلة، وتعزيز الشراكات التجارية مع دول أخرى، وتحفيز الاستثمار المحلي، بالإضافة إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لفتح قنوات حوار مع الجانب الأميركي، بما يضمن الحدَّ من تأثير هذه الإجراءات في الاقتصاد الوطني، ومع استمرار هذه المتغيرات، يبقى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط الحل الأمثل لمواجهة مثل هذه الأزمات التجارية مستقبلاً.


خطوات مطلوبة

وبهذا الشأن، يقول نائب رئيس لجنة الاستثمار والتنمية النيابة، حسين السعبري في حديث لـ"الصباح": إن "التأثير في التجارة الخارجية تبدأ من قرار الولايات المتحدة بزيادة الرسوم الجمركية على بعض السلع القادمة من العراق ما يمثل تحدياً جديداً للاقتصاد العراقي، خاصة في قطاع الصادرات غير النفطية"، مبيناً أن "هذه الرسوم قد تؤدي إلى ارتفاع تكلفة المنتجات العراقية في السوق الأميركية، مما يقلل من قدرتها التنافسية مقارنة بدول أخرى لا تواجه نفس العوائق الجمركية".

وأضاف، أنه "على المدى القريب، قد يؤدي ذلك إلى انخفاض الطلب على الصادرات العراقية غير النفطية، مما يضغط على الشركات العراقية التي تعتمد على الأسواق الخارجية لتصريف منتجاتها". 

وبيّن السعبري، أن "العراق يعتمد بشكل أساسي على إيرادات النفط كمصدر رئيسي للدخل القومي، وتشكّل صادراته النفطية النسبة الأكبر من إيرادات الدولة، وعلى الرغم من أن الرسوم الجمركية الأميركية لا تستهدف قطاع النفط مباشرة، إلا أن أي تعقيدات في المعاملات المالية المرتبطة بالإيرادات النفطية قد تؤدي إلى تأخير في تحويل العائدات أو فرض قيود إضافية على التعاملات المالية العراقية"، وتابع: أنه "في حال اتساع نطاق الإجراءات الأميركية ليشمل قيوداً على المؤسسات المالية التي تتعامل مع العراق، فقد تواجه البلاد صعوبة في إدارة احتياطاتها النقدية وتمويل وارداتها الحيوية".

وأوضح، أن "من غير المتوقع أن تؤدي هذه الرسوم إلى تغيير كبير في أسعار النفط عالمياً، لأن الأسعار تعتمد على عوامل أكثر تأثيراً، مثل مستويات العرض والطلب، والتوترات الجيوسياسية، وسياسات الإنتاج التي تعتمدها الدول الكبرى المنتجة للنفط. لكن في حال تسبب القرار في عرقلة الصادرات النفطية العراقية أو أدى إلى اضطرابات في السوق الداخلية، فقد ينعكس ذلك على قدرة العراق في تلبية التزاماته التصديرية، مما قد يُسهم في زيادة تقلبات الأسعار إذا كان هناك نقص في الإمدادات العالمية".

وتابع أن "التأثير في القطاع الخاص والاستثمار ورفع الرسوم الجمركية قد يؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين في السوق العراقية، خاصة الشركات التي تعتمد على التصدير إلى الولايات المتحدة أو التي تحتاج إلى استيراد مواد أولية بأسعار تنافسية"، موضحاً أنه "إذا زادت كلفة الاستيراد بسبب أي إجراءات انتقامية محتملة، فقد تواجه المصانع المحلية ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار محلياً، وبالتالي زيادة الضغط التضخمي على الاقتصاد".

وأكد السعبري، أنه "على الرغم من هذه التحديات، يتمتع الاقتصاد العراقي اليوم بدرجة من الاستقرار مقارنة بالسنوات السابقة، مستفيداً من تعافي أسعار النفط وبرامج الإصلاح الاقتصادي التي تهدف إلى تعزيز الإيرادات غير النفطية. ومع ذلك، فإن استمرار الاعتماد المفرط على النفط كمصدر رئيسي للدخل يجعل البلاد عرضة للصدمات الخارجية، مثل القرارات التجارية والسياسات المالية المفروضة من الدول الكبرى".

ولفت إلى أن "الخيارات المتاحة للعراق لمواجهة هذه التداعيات، تكمن بالبدء بالبحث عن أسواق بديلة للصادرات غير النفطية، خاصة في آسيا وأوروبا وتعزيز الشراكات التجارية مع دول أخرى لتقليل الاعتماد على السوق الأميركية، إضافة إلى تحسين بيئة الاستثمار المحلي لتشجيع الإنتاج الداخلي وتقليل الحاجة إلى الواردات المكلفة" .

كما أكد النائب السعبري، على "أهمية تعزيز الدور الدبلوماسي وترصين العلاقات الدبلوماسية لفتح قنوات جديدة للحوار الاقتصادي مع الولايات المتحدة لتخفيف تأثير هذه الإجراءات"، موضحاً أن "قدرة العراق ستعتمد على تجاوز هذه التأثيرات في مدى استعداده لتنويع اقتصاده وتقليل اعتماده على قطاع واحد كمصدر رئيسي للدخل".


النفط والموازنة

من جانبه، رأى مدير "مركز العراق للطاقة"، الدكتور فرات الموسوي،  في حديث لـ"الصباح"، أن التعريفات الجمركية المتبادلة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إطار ما أسماه (يوم التحرير) "أثارت مخاوف بشأن النمو الاقتصادي العالمي والاقتصاد الأميركي، لاسيما إذا استمرت لفترة طويلة دون مراجعة أو تعديل".

وأوضح، أن "إدارة ترامب اعتمدت على الميزان التجاري الحالي كأساس لفرض الرسوم الجمركية الجديدة، في خطوة تعكس تراجعاً عن التعهد السابق بمضاهاة معدلات التعريفات الجمركية وغيرها من الحواجز التجارية التي تفرضها الدول الأخرى".

وأشار الموسوي، إلى أن "هذه الرسوم الجمركية قد تؤثر سلباً في الاقتصاد العالمي، مما قد يؤدي إلى انخفاض أسعار النفط، وبالتالي يتسبب في تراجع الإيرادات النفطية العراقية، التي تشكل العمود الفقري للإيرادات العامة". وأكد أن "موازنة 2025 اعتمدت على سعر 70 دولاراً للبرميل، وأن أي انخفاض إضافي قد يعزز العجز المالي، مما يستدعي اتخاذ إجراءات لترشيد الإنفاق الحكومي وتعزيز الإيرادات غير النفطية تحسباً لأي أزمة اقتصادية محتملة".

وفي ما يتعلق بتأثير هذه الإجراءات على العراق، لفت الموسوي، إلى أن "إجراءات ترامب لن تؤثر بشكل مباشر في الاقتصاد العراقي، إذ إن العراق يعتمد بشكل رئيسي على تصدير النفط، محققاً فائضاً تجارياً يقارب 5 مليارات دولار سنوياً، في حين أن النفط والغاز يظلان مستثنيين من الرسوم الجمركية الجديدة"، كما أوضح أن "الصادرات العراقية الأخرى إلى الولايات المتحدة تبقى محدودة التأثير".

ونبّه إلى أن "بعض السلع المستوردة من الولايات المتحدة قد تشهد ارتفاعاً في أسعارها، خاصة السيارات، نظراً لاعتماد بعض أجزائها على التصنيع والتجميع في المكسيك وكندا ودول أخرى، والتي ستخضع بدورها للتعريفات الجمركية الأميركية"، وختتم الموسوي بالقول: إنه "بالتأكيد أن العراق قد يتأثر على المدى المتوسط بتقلبات الاقتصاد العالمي الناجمة عن سياسات ترامب التجارية".