أطفال سوريون ينقذون قرية ألمانية

بانوراما 2019/12/22
...

كاترين بينهولد
ترجمة: بهاء سلمان
 
 
 
كان الاقتراح خطرا، مع علم العمدة فرانك شوتز بذلك، فجلب مهاجرين سوريين الى قريته الألمانية النائية، حيث ارتفاع شعبية اليمين المتطرف مع شعور العديد من المحليين سلفا وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، جعل البعض يشير أنه تصرّف أحمق أو مستحيل؛ لكنها كانت الوسيلة الوحيدة لانقاذ مدرسة القرية، الممثلة لروح وقلب قرية غولتسوف، التي، ككثير من مناطق ريف ألمانيا الشرقية الشيوعية السابقة، فقدت ثلث سكانها خلال سنوات الارباك التالية لسقوط جدار برلين.  
خلال صيف 2015، مع تدفق مئات الآلاف من المهاجرين نحو ألمانيا، انخفض عدد الأطفال بعمر المدرسة في غولتسوف الى مستوى متدن جديد، إذ لم يكن هناك أطفال للمرحلة الأولى، وكانت تلك الحالة بداية لنهاية لمدرسة كانت في زمن سابق تمثل خلفية لبرنامج "أطفال غولتسوف" الوثائقي الملحمي الممجّد لعهد الشيوعية بتغطية نشاطات تلاميذ المرحلة الاولى طيلة عقود من الزمن خلف الستار الحديدي.
لكن، بعد ذلك، وصل كمال وبرهان وحمزة وتسنيم ورتاج ونور ورفيف ورؤى ومحمد الكبير ومحمد الصغير مع أسرهم، وأطلق عليهم العمدة شوتز تسمية أطفال غولتسوف الجدد، قائلا: "لقد أنقذ السوريون مدرستنا." وبطريقة ما، أنقذت غولتسوف نفسها.
 
أنموذج مصغّر
وعندما يتعلّق الأمر باستقبال المهاجرين، تعد غولتسوف نسخة مصغرة لألمانيا، إذ يمثل 16 سوريا (استقروا في هذه القرية التي يقطنها 820 فردا ) نسبة أعداد سكان ألمانيا نفسها بالمقارنة مع أعداد الوافدين الني قربت من المليون ونصف المليون مهاجر بعد سنة 2015. قصة المهاجرين تنفع كحكاية لتقبّل الآخرين كأصدقاء، رغم ان ربع سكان القرية صوّتوا لصالح حزب البديل اليميني المتطرّف خلال الانتخابات الأخيرة.
وتمثل الحكاية أيضا دليلا على أن المخاوف المؤججة لنيران الشعبوية ضمن أكبر ديمقراطية في أوروبا، تسببت باندماج ناجح تماما لمئات آلاف المهاجرين، كما هو الحال مع قرية نائية مثل غولتسوف. وعبر البلاد، حصل نحو ثلث الوافدين على عمل، وفقا لاحصائيات حكومية.
وبعد أربع سنوات من قدوم السوريين، تغيّرت غولتسوف، الى الأفضل، بحسب رأي الأغلبية، فالشقق الفارغة تعج بحياة جديدة، وفي معرض زهرة دوّار الشمس السنوي، كانت المعجنات العربية بجانب الفطائر الألمانية، وعندما يحتاج المشرف على المدرسة العون لرفع أوراق الأشجار، يهرع فادي وأحمد ومحمود؛ آباء الطلبة السوريين، الى إبداء المساعدة على الفور. لكن الأمور لم تكن دوما مستقرة، فعندما جمع العمدة القرويين أول مرة لتوضيح فكرته عن جلب السوريين، ارتفعت الشكوك. يقول ماركو سايدلت، الذي زامل ابنه ديفي، 11 سنة، ثلاثة سوريين ضمن مرحلته الدراسية بشكل مفاجئ: "لا اتوقع نجاح هذه الفكرة، فالوافدون لديهم دين مختلف، وأطفالنا لن يتكلموا اللغة الألمانية السليمة بعد الآن." ويخشى أفراد آخرون من فوضى، أو إقدام المهاجرين على أعمال السرقة، بحسب شوتز.
أما اللاجئة السورية حليمة طه، فقد ساورتها الشكوك أيضا، فتعلق: "ألمانيا الشرقية؟ هل أنت مجنونة؟" هكذا تحدث اليها أصدقاؤها عبر الهاتف بعدما تحرّكت عائلتها من برلين الى مركز لطالبي اللجوء شرق البلاد، قبل الاستقرار ضمن قرية غولتسوف، وهي تتذكر كلمات أصدقائها من عدم ترحيب ساكني تلك المناطق بالأجانب، مع احتواء الأمر على مخاطر حقيقية.
 
نتائج طيّبة
لكن، كلا الجانبين بذلا جهدا، وتفاجأ الطرفان بحجم التقبل والاستحسان الكبير المتبادل بينهما. وتتذكر حليمة (32 سنة، وأم لثلاثة أطفال، وتتحدث الألمانية بايقاع هادئ) الزهور وألعاب الأطفال التي جلبها العمدة حينما رحب مقدما بوصول عائلتها لقريته ولموطنها الجديد، كما منح القرويون أدوات منزلية لمساعدة العائلة على تأثيث شقتها، بضمنها أدوات المطبخ.
وفي اليوم الأول للمدرسة، حيّا الآباء الألمان الأسر السورية بكعكة، ولم يدركوا أنهم صائمون بسبب حلول شهر رمضان، لتحل لحظة إحراج، تلتها بعد ذلك ضحكات، وقطعت حليمة الكعكة. وكجزء من جهودها للتطبّع مع الحياة الجديدة، أخبرت حليمة أطفالها بتحية كل فرد يلقونه في الشارع من اليوم الأول بالألمانية، وتسعى العائلة لمراعاة تقاليد الشعب الألماني، ويذهب الأب، فادي، لصيد السمك مثل رجال المنطقة.
حاليا، وجد جميع السوريين الستة البالغين عملا، فحليمة، الصيدلانية المتدربة التي لا يعترف بشهادتها السورية داخل ألمانيا، تعمل في دار للرعاية الطبية، شاغلة فراغا في بلد يشهد تسارعا بأعداد السكان المسنين. تقول غابي توماس، مديرة مدرسة القرية، عن الأسر السورية: "لقد صاروا جزءا مهما من مجتمعنا."احتجاجات القرية خلال تشرين الأول 2015، أي بعد وصول السوريين بعدة أشهر، مثلت نقطة تحوّل، إذ استنكر المحليون الغاضبون سعي أحد السياسيين لإقناع القرويين باستضافة عشرات اللاجئين الشباب وتسكينهم داخل قاعة المدرسة للألعاب الرياضية. وعبرت حليمة أيضا عن قلقها من وجود شباب يجاورون المدرسة ودار الرعاية، اضافة لقدرة القرية على استيعاب المزيد من اللاجئين. بعد ذلك، أيد غالبية المتخوّفين؛ من دخول اللاجئين، حالة الاندماج الرائعة، التي لم يكونوا يتوقعونها في بداية
 الأمر.
 
تجارب مضنية
التغلّب على التعصّب أمر عسير، وسكان غولتسوف جربوا ذلك مسبقا، فحينما سقط جدار برلين قبل ثلاثين عاما، كسب سكان ألمانيا الشرقية الحرية والديمقراطية، لكنهم خسروا وظائفهم ومكانتهم وحتى بلدهم بين عشية وضحاها. ويرى الكثيرون الآن اعادة التوحيد كاستيلاء غربي أخفق بالإقرار بأي شيء أسهم بتشكيل الحياة في الشرق الشيوعي، ناهيك عن القيمة المعنوية. تقول كارينا كافيدوف، متقاعدة تسكن غولتسوف: "اختصرت أربعين سنة من تاريخنا بجرائم أجهزة الأمن القمعية لحكومة ألمانيا الشرقية."
لهذا السبب، يشعر سكان القرية بالأسى من ندرة معرفة الغربيين ببرنامج أطفال غولتسوف الوثائقي، الذي يؤكد على صورة رائعة للحياة برغم وطأة الحكم الشيوعي، إذ عاش الناس الحياة بكل تفاصيلها، مثل بقية البشر، بحسب قول بيرنهارد غوديريان، سائق الجرار المتقاعد، الذي كان أحد أطفال البرنامج الوثائقي.
واذا فضح أطفال غولتسوف القدامى الخرافات الغربية حيال الشرقيين، فقد فضح أطفال القرية الجدد الخرافات المحيطة بالمهاجرين. ومن خلال التعايش، اكتشف سكان القرية وجيرانهم السوريين وجود مشتركات تجمعهم، فهم يشعرون بأنهم من النازحين، فالشرقيون لديهم تجربة الهجرة، بطريقة ما، داخل بلادهم، بعدما استقر البعض داخل غولتسوف أثر فراره من أراض ألمانية داخل بولندا مع نهاية الحرب العالمية الثانية.
وكانت عائلة حليمة تعيش بحالة ميسورة عندما كانت في سوريا، أما الآن، فهم ممتنون لبقائهم على قيد الحياة، فقد طالت رحلة الهجرة سنتين بدءا من مغادرة مدينتهم الأم، اللاذقية، وصولا الى غولتسوف، مرّوا خلالها بتجارب مرعبة حتى وصلوا لحالة الاستقرار الحالية. احيانا، تشتكي ابنتها من أعمال المنزل لأنها لم تكن تفعل ذلك في ديارها، لأن العائلة كانت توظف خادمة لأداء تلك المهام، ترد عليها الأم بالقول: "نحن الآن لاجئون، لاجئون."
 
صحيفة نيويورك تايمز الأميركية