الدولة العادلة المعاصرة.. بمَ تتمثل؟

آراء 2020/02/25
...

عبد الحليم الرهيمي
استناداً لثوابت الحياة السياسية والفكر السياسي الحديث والمعاصر تقوم وتتحقق الدولة العادلة المعاصرة، وهي الثوابت التي تتمثل بسيادة سلطة القانون والالتزام بتطبيقه من قبل مؤسسات الدولة وأفراد المجتمع، وبإشاعة وتعزيز الحريات الأساسية العامة والخاصة ومنع الانتقاص منها، أو تعطيلها لأي سبب كان. 

وتتمثل، كذلك، بتحقيق الخدمات الأساسية لجميع أفراد المجتمع بما يحقق لهم الرفاهية والأمن والاستقرار والتطور الاقتصادي والاجتماعي والعمراني.  وتبعاً لهذه الأسس والثوابت التي تقوم عليها الدولة العادلة المعاصرة فإنّ تحقيقها على الصعيد العملي لا بدّ أن يستند إلى المركب الوطني الثلاثي المتمثل بالمؤسسات الثلاث لهذه الدولة وهي: التشريعية والتنفيذية والقضائية أولاً، وبمركب نُخبها الفكرية والسياسية المتنورة والمخلصة ثانياً، وكذلك بمركب دور الشعب وهيئاته الاجتماعية في المساهمة بإنجاز ما يتطلبه بناء الدولة العادلة ومراقبة أداء ونزاهة مؤسساتها وسلطاتها المعنية في آن
 واحد ثالثاً. 
وبطبيعة الحال، فإنّ هذا التوصيف للدولة العادلة المعاصرة يتعارض مع أيّة توصيفات أخرى تستند إلى مركبات وهمية وغير واقعية تلتف على المضمون الحقيقي والواقعي للدولة العادلة المعاصرة وتلغيه عملياً، خاصة عندما يشترط هذا التوصيف ذو المركبات الوهمية  أنّه لا يمكن تحقيق الدولة العادلة في مجتمع (متخلف حضارياً) إلّا بعد إنهاء هذا التخلف، وهو تسويغ لا يمكن فهمه أو تفسيره سوى بأنّه أشبه بأحجيات الكلمات 
المتقاطعة.  
إنّ تحقيق سيادة القانون والالتزام الحقيقي والعملي بتطبيقه، وضمان إشاعة وتثبيت الحريات الأساسية، هي من أبرز وأهمّ شروط الدولة العادلة المعاصرة ومستلزماتها، لا يمكن الشروع بضمان حقوق المواطنين وتوفير شروط إنهاء التخلف السياسي والفكري لدى شرائح من المجتمع عبر عملية تربوية وتثقيفية مرافقة لتحقيق سيادة القانون وإشاعة الحريات وضمان حقوق المواطنين، وهو الأمر الذي يعني أنّه لا يشترط بناء الدولة العادلة بانتظار إنهاء (التخلف الحضاري) في ضوء مركبات وهمية وغير عملية، فإنّ سيادة القانون وعدالة القضاء هو أُسّ تحقيق قضايا الدولة العادلة المعاصرة التي ستكون بخير عند التمكن من إنجاز ذلك على صعيد الواقع العملي. 
ينقل عن رئيس وزراء بريطانيا، ونستون تشرشل، الذي سأل مستقبليه في لندن المدمرة بقذائف وقنابل هتلر، بعد عودته إليها من بارجته في عرض البحر، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية العام 1945: دعونا من دمار لندن، سنعيد بناءها لكن كيف حال القضاء وسيادة القانون؟ أجابه مستقبلوه: بخير، فردّ عليهم بالقول: إذاً بريطانيا ولندن بخير. 
لا شك أنّ مثل هذا القول يعني علوية سيادة القانون ونزاهة القضاء على كل شيء، بل إنّه المقدمة الضرورية والشرط الأساسي لاستكمال بناء وتحقيق الدولة العادلة المعاصرة؛ ذلك أنّ سيادة القانون تعني انتفاء الظلم وتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين، كما تعني ضمان إشاعة وحماية الحريات العامة والأساسية من دون قمع واستبداد ومصادرة الحقوق، وتعني، كذلك، المحاسبة والمساءلة الدائمة لمرتكبي جرائم الفساد المالي والإداري بما يمنع هدر، أو سرقة، أموال الدولة، أي أموال المواطنين، وتوظيفها لمصلحتهم ولمصلحة البناء 
والازدهار. 
إنّ بناء الدولة العادلة المعاصرة وفقاً للمركبات الوطنية التي تقوم عليها، ووفقاً لثوابت القوانين والفكر السياسي الحديث والمعاصر، يعني توفير كل الظروف والشروط المطلوبة لتنفيذ المشاريع والبرامج الإصلاحية والعمرانية والثقافية والترفيهية التي من شأنها ضمان حياة سعيدة ومرفهة وآمنة لكل المواطنين، من دون استثناء، وحسب استحقاقاتهم وحقوقهم. والدولة العادلة المعاصرة تعني وفق الأسس والثوابت التي تقوم عليها، هي الدولة الضامنة لتحقيق الإصلاح السياسي الملائم لكل حقبة زمنية، وهي التي تعني بناء وإصلاح النظام الصحي والنظام التعليمي اللذين أصابهما الخراب المروع، كما أنّها تعني توفير الخدمات اللازمة والضرورية للمواطنين على الصعيد العمراني للمدن وشوارعها وبناء المؤسسات الثقافية والترفيهية ورياض الأطفال، وبما يعكس تقدم وازدهار العراق وسعادة وأمان 
شعبه. 
إنّ الدولة العادلة المعاصرة هي التي تضمن تحقيق إنسانية الإنسان وحفظ كرامته وآدميته وعدم امتهانها من أيّة جهة كانت.  إنّ التمكن من بناء الدولة العراقية العادلة المعاصرة، الواقعية لا الوهمية الملفقة، وهي التي ستضيف إنجازاً حضارياً جديداً لتأريخ العراق الحضاري الزاخر
 بالانجازات.