أزمة إدلب تشعل الموقف بين روسيا وتركيا

قضايا عربية ودولية 2020/03/04
...

سيمون تيسدال/ صحيفة الغارديان / ترجمة / بهاء سلمان 
 أنقرة / علاء سرحان
بينما تتصاعد الأزمة الإنسانية في مدينةِ إدلبَ السورية، ما ينذرُ باشتعال أزمة خطيرة بين روسيا وتركيا؛ صرح الكرملين بأن محادثات الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في موسكو (اليوم الخميس)، تهدف إلى وضع إجراءات لإنهاء الأزمة في المدينة التي باتت مسرحاً لمعارك عسكرية دامية، وقال الناطق الصحفي باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف للصحفيين أمس الأربعاء: «من المقرر بحث أزمة إدلب مع أردوغان، والمتوقع هو التوصل إلى فهم مشترك لمقدمات هذه الأزمة وأسبابها وخطورة تداعياتها وصولا إلى حزمة من الإجراءات الضرورية المشتركة من أجل الحيلولة دون استمرارها».
التورط التركي
الى ذلك، كتب «سيمون تيسدال» في صحيفة «الغارديان» البريطانية، أن «القادة الاستبداديين يميلون للاعتقاد بأنهم أفضل من يعرف أحوال كل شيء، ولا يتسامحون بشكل عنيف حيال الانتقاد الموجه لهم»، وأضاف، «هنا نتكلم عن الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، إذ أدت به هذه الغطرسة في النهاية، ومعه تركيا، الى حافة الكارثة في سوريا بعد تسع سنين من التهديدات الطنانة والحرب بالوكالة والتدخل العسكري المباشر».
أردوغان الآن معزول من جميع الجهات، وعلى خلاف حاد مع اللاعبين الرئيسين الآخرين للأزمة السورية، وبإرسالها سبعة آلاف جندي إضافي، علاوة على مدرعات، الى إدلب الشهر الماضي لتعزيز المواقع العسكرية القائمة حاليا، هوت تركيا في حرب مفتوحة مع قوات الحكومة السورية، فقد هاجمت المطارات ومواقع الرادار الواقعة ما بعد «خط الجبهة» فعليا، معلنة أن جميع «عناصر» الحكومة السورية تعد أهدافا مشروعة.
في منتصف سنة 2011، عندما كانت انتفاضة الربيع العربي في أوجها، التقى أحمد داود اوغلو، وزير خارجية تركيا آنذاك، الرئيس بشار الأسد في دمشق لحثه على مناقشة مطالب المتظاهرين، ليرفض الأسد ذلك. أخبرني أوغلو لاحقاً -والحديث للكاتب سيمون تيسدال- أن الزعيم السوري لا يريد الإصغاء مطلقا، لتذهب فرصة حقيقية سدى، ومع تشديد الأسد لإجراءاته، رمى أردوغان بكامل ثقل تركيا لدعم المتمردين، ومنهم الجماعات «المتشددة».
غير أن ما يحدث حالياً في شمال غربي سوريا لا يمثل حربا بالوكالة بعد الآن، فهي مواجهة مباشرة بين الجارتين المدججتين بالسلاح، وتهدد بجر تركيا الى نزاع عسكري أعمق مع روسيا، الحليف الأهم للأسد. ويتواصل الاعلام الموالي للحكومة التركية بالإشارة الى مسؤولية الحكومة السورية عن مقتل 33 من جنودها يوم 27 شباط الماضي خلال قصف جوي على قافلتهم.
من الصعب معرفة الحقيقة، خصوصا مع قمع اردوغان للصحافة المستقلة، بيد أن الحقيقة تبدو مختلفة للغاية، فعدد القتلى ربما وصل إجماليه الى 55، بحسب متين غوركان، المحلل العسكري المعروف برصانة كتاباته، وتتحدث تقارير محلية عن وصول العدد الى مئة، ويرجح أيضاً أن سبب مقتل معظم الجنود ليس الطائرات السورية، بل ما تلاها من غارات جوية روسية. 
رفض أردوغان اتهام روسيا، كما نفى الكرملين بشكل صريح مسؤولية بلاده، لكن تتابع الأحداث منذ 27 شباط، التي بدأت مع هجمات تركية على طائرات روسية تحلّق جنوبي ادلب، يوحي بخلاف هذا الشيء، فالنيران التركية، وبضمنها أنظمة الدفاع الجوي المحمولة، هددت أيضا قاعدة «حميميم» الستراتيجية.  
ويتابع الكاتب «تيسدال» مقالته في «الغارديان» بقوله: يظهر أن القادة الروس الغاضبين، أو لربما الأمر أتى من موسكو، قد وضعوا خطأ بعد أسابيع من النزاع الفتاك، وتم استهداف القافلة العسكرية التركية في وقت متأخر من ظهيرة نفس اليوم؛ وخلال الساعات التالية، ومع احتياج الجنود المصابين للإسعافات الطبية، رفضت موسكو طلب أنقرة بفتح المجال الجوي لإدلب بغية إخلائهم، بحسب غوركان.
هل كانت نيّة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تلقين أردوغان درسا قاسيا؟ إذا كان هذا، فيبدو أنه نجح، وأردوغان يعلّق آماله على لقاء مباشر مع الزعيم الروسي لتجنب المزيد من الصدامات المكلفة من التي لا تقدر تركيا الخروج منها منتصرة، وسيذهب الى موسكو (اليوم الخميس) بحثا عن اتفاق لوقف إطلاق النار، بعدما وافق بوتين على تخصيص وقت للقائه.
إلا إن بوتين لا يبدو لديه مزاج للتراجع، فهو يريد على نحو ملح نهاية للحرب السورية، حيث انشغلت قواته لما يقارب من خمس سنين بالقتال المكلف ماديا وبشريا؛ كما يريد نصراً لحليفه الأسد في إدلب، المعقل الأخير للمعارضة، ولسياساته الخاصة بالتوسع في المنطقة، ويريد زعيم الكرملين إعلان نصر ستراتيجي تأريخي على حساب الغرب، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة.
الثمن الذي سيطلبه بوتين لمهادنة أردوغان ربما لن يكون فقط انسحاب تركيا الكامل أو الجزئي من إدلب، بل أيضا من مناطق سورية أخرى تحتلها القوات التركية غربي الفرات، ومن المناطق ذات الغالبية الكردية شمال شرق البلاد التي غزاها الجيش التركي بشكل مثير للجدل الخريف الماضي، ويبدو أن الفكرة البليدة التي يطرحها دائما اردوغان بالحفاظ على «مناطق آمنة» داخل سوريا كي يتمكن اللاجئون المقيمون في تركيا من العودة اليها ميتة أو تحتضر.
 
حصاد أردوغان
وتتعرّض ستراتيجية «بيت القش» الضعيفة لأردوغان لمزيد من الكشف بسبب عجز «المتشددين» الذين يدعمهم في إدلب عن مقاومة التقدم السوري الروسي الأخير، وبسبب رفض الولايات المتحدة وحلف «الناتو» للقدوم لمساعدته بأية وسيلة ذات مغزى، وطلبت تركيا الدعم مؤخرا بعد حادثة مقتل جنود القافلة؛ لتحصل على مساعدة محدودة بمعلومات استطلاعية واستخباراتية فقط.
مرة أخرى، يجني أردوغان ما زرعه، فلطالما سخر وانتقد حلف «الناتو» والقادة الأميركان والأوروبيين بكلمات نابية وازدرائية، واشترى نظام دفاع جوي روسيا رغم معارضة أميركية قوية، كما عرّض للخطر قتال الغرب لعصابات «داعش» الارهابية من خلال إشعال نيران الحرب ضد أكراد سوريا، وسعى لتحويل أزمة اللاجئين السوريين كسلاح لإخضاع الاتحاد الأوروبي لإرادته، ومن هنا تدب الفوضى والشقاء على الحدود التركية اليونانية، وعلى نحو لا يثير الاستغراب، تتزايد المعارضة الداخلية، متحفّزة بما يحصل في المستنقع السوري.
ومع اتساع أزمة ادلب خلال الأشهر الأخيرة، زعم أردوغان أن هدفه الوحيد كان يتمثل في تأييد هدنة سنة 2018 الجزئية، وتفادي وقوع تدفق لاجئين ضخم مرة أخرى الى تركيا، هذه الأهداف تعد منطقية، لكن أساليبه العدائية وخطابه الغاضب، كالعادة، قد أثبت هزيمته الذاتية، فهناك مليون نازح، ولربما لن يملك سكان إدلب الجائعون والمرعوبون أية وسيلة للدفاع قريبا ضد تقدم قوات الأسد.
ويختم الكاتب «سيمون تيسدال» مقاله في «الغارديان» بالقول: «لا يمثل إخضاع تركيا سبباً لابتهاج أوروبا والولايات المتحدة، فالمهم هو تأكيد مسؤوليتها، التي تتملص منها لغاية الآن بشكل مخزٍ، في التدخل مباشرة بأزمة إدلب لحماية المدنيين وإيقاف القتال والسعي لسلام أشمل، وترك الأمر الى أردوغان لم يحدث نجاحا مطلقا، ولدى الديمقراطيات الغربية فرصة أخيرة لفعل الشيء الصحيح في سوريا (تصنيع وفرض تسوية عادلة ودائمة، وإبلاغ بوتين وقاذفات القنابل التابعة له بالعودة الى الديار).
 
أزمة اللاجئين
من جانب آخر، أعلن مارك لوكوك وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أن «الاحتياجات تفوق الموارد لتلبية احتياجات نحو مليون شخص فروا من القتال في محافظة إدلب شمال غربي سوريا»، 
وقال: إن «المنظمة الدولية ستزيد مساعداتها بعد أن اتفقت مع السلطات التركية على مضاعفة عدد الشاحنات التي ترسلها عبر الحدود إلى 100 شاحنة يوميا».
وأضاف المسؤول الأممي من منطقة ريحانلي التركية ان «الاحتياجات طغت على الموارد في عملية الإغاثة هذه، نحتاج للمزيد من كل شيء، وأول شيء المال»، مشيراً إلى أن «عدد النازحين ارتفع إلى 980 ألفا، أكثر من نصفهم من الأطفال الذين يعانون الآن من الافتقار للمأوى والصرف الصحي في مناطق قرب الحدود التركية»، مؤكدا «الحاجة إلى مليار دولار سنويا لاستمرار عمليات الإغاثة لنحو مليوني شخص في منطقة إدلب».
من جهتها، أعلنت المبعوثة الأميركية لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت، التي تفقدت كذلك جهود الإغاثة، تقديم 108 ملايين دولار إضافية لتمويل العمليات، وقالت كرافت للصحفيين: «المساعدات الإنسانية مجرد استجابة، لكن الحل يكمن في الوقف الفوري لإطلاق النار».
بدوره، أكد وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب خلال زيارة لأنقرة، أن «بلاده ستقدم مساعدات إضافية لسوريا بقيمة 89 مليون جنيه استرليني جزء منها لإدلب».   
 
التاريخ يعيد نفسه
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، هاجم اليونان وحكومتها على خلفية أزمة اللاجئين السوريين، وقال: «نذكّر بأن السوريين قاموا بإيواء اليونانيين الذين فرّوا من هجمات النازيين، ورئيس الوزراء اليوناني (الحالي) قد يكون حفيداً لأحد أولئك النازحين»، كما دعا أردوغان «جميع الدول الأوروبية -وفي مقدمتها اليونان- إلى التعامل باحترام مع اللاجئين القادمين إليهم وبما يتلاءم مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان».
وتزامنا مع مشاهد تعامل السلطات اليونانية العنيف مع اللاجئين السوريين، أعاد ناشطون سوريون تداول صورة معاكسة من التاريخ، تظهر استقبال السوريين للمهاجرين اليونانيين.
الصورة المتداولة التي نشرتها مجلة «هنا القدس» تعود لعام 1942، حين اضطر كثير من اليونانيين إلى الهجرة بعد أن بدأت قوات ألمانيا النازية احتلال بلادهم.
وعلق محرر المجلة على الصورة التي تبدو فيها امرأة توزع ثيابا بين مجموعة من الأطفال، بعبارة: «توزيع الأطعمة والثياب في سوريا بين اللاجئين من بلاد اليونان»، والصورة مؤرخة بـ11 كانون الثاني1942.
تعليقات السوريين ركزت على تلك المفارقة في الاستقبال، خاصة بعد تداول مقطع مصور يظهر فيه خفر السواحل اليونانيون وهم يتعمدون إغراق قارب يقل لاجئين سوريين. 
 
بيان روسي
في السياق نفسه، أعلن مركز تنسيق المصالحة في سوريا التابع لوزارة الدفاع الروسية أن تركيا تدفع بنحو 130 ألف لاجئ على أراضيها ثلثهم فقط من السوريين، نحو الحدود مع اليونان.
وقال رئيس المركز أوليغ جورافليوف أمس الأربعاء: «تقوم السلطات التركية حاليا بزج نحو 130 ألف لاجئ ممن كانوا يتواجدون في مخيمات مؤقتة على الحدود التركية اليونانية، على اليونان، وثلثاهم من غير السوريين، ومواطنون من الدول الإفريقية. تدفع تركيا بهم إلى اليونان».
ورفض جورافليوف الاتهامات التركية والغربية لسوريا وروسيا بأن تفاقم الوضع في محافظة إدلب السورية تسبب بنزوح «ملايين» اللاجئين وأحدث أزمة إنسانية، مؤكدا أن عدد من عبروا الحدود إلى تركيا لا يتجاوز 35 ألف شخص، وهم أفراد اسر الارهابيين.
 
موقف ألماني
أما عن موقف برلين، فقد دعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لإعلان مناطق آمنة في شمالي سوريا، حيث يحتدم التصعيد.
وقال مشاركان في اجتماع للمستشارة الألمانية مع أعضاء البرلمان، إنها أبلغتهم بتأييدها لإقامة مناطق آمنة في شمال سوريا حيث تواجه تركيا مع روسيا أزمة آخذة في التفاقم. 
وأضاف المصدران، أن ميركل انتقدت رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المشاركة في اجتماع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لوقف التصعيد في سوريا.
وفي وقت سابق، أفاد المكتب الصحفي للكرملين، بأن الرئيس فلاديمير بوتين بحث هاتفيا مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الوضع في إدلب السورية وتطورات الأحداث في ليبيا.
وقال الكرملين في بيان،: إن «الطرفين بحثا بشكل مفصل ملفات التسوية السورية على ضوء تفاقم التوتر الحالي في منطقة إدلب لخفض التصعيد، كما عبرا عن الأمل بإحراز نتائج خلال القمة الروسية التركية المقررة في موسكو (اليوم الخميس)».
وأضاف البيان أنه «خلال تبادل الآراء في الشأن الليبي، تم التشديد على ضرورة التزام أطراف النزاع بنظام وقف اطلاق النار، وتنفيذ قرارات مؤتمر برلين الذي عقد مطلع العام الحالي»، وذكر البيان أن «المكالمة جاءت بمبادرة من الجانب الألماني»، مشيرا إلى «اتفاق الطرفين على مواصلة 
الاتصالات».