اختبارُ الأخلاق السياسيّة

آراء 2020/04/03
...

محمد الكاظم
 

كان العالم يتفرج على مدينة" يوهان" الصينيّة وهي تموت ببطء عادين كورونا" فيروساً صينياً" جاء في وقته لإيقاف حماس التنين الطامح لزعامة العالم اقتصادياًّ، اما في صربيا فقد رفض الاتحاد الأوروبي بيع أدوية ومعدات طبية لمواجهة الوباء لصالحها التي هي على خلافات سياسيّة مع دول الاتحاد، فهل هذه المؤشرات تجعلنا مطمئنين الى ان عالمنا يوفر فرصاً متساوية لمواجهة الوباء؟ وهل تمتلك الدول الكبرى ما يكفي من الأخلاقيات السياسيّة، التي تضمن حصول الجميع على الدواء والرعاية الصحيّة؟ أم ان هذا الفيروس سيتحول الى استثمار وسلاح للرأسماليّة، لتحقيق المكاسب على حساب الأضعف حالاً والأقل حيلة.
الاتجاه العالمي في مواجهة المرض أخذ يتركز على محاولة التوصل الى لَقاحٍ يمنع سقوط ضحايا اكبر، اما من يُصاب بالمرض فعلياً، فان العالم لن يتوقف عنده طويلاً، هذا ما تقوله فلسفة الغرب المتوحشة التي تتجلى في طريقة تعامل المستشفيات الغربيّة مع الضحايا، فكبار السن والمصابون بأمراض مزمنة لا يحصلون على الرعاية الكافية، والنزعات العنصريّة، أخذت تحاول تقسيم البشر الى فئات وأعراق بعضها يستحق الحصول على العلاج والبعض الآخر لا!، بل ان جهود العثور على العلاج الملائم أصبحت جهوداً تتحكم فيها أساليب الدعاية والتسويق ومنطق السوق الذي لا يعترف بالضعفاء، فبعضها تهدف الى تحقيق مكاسب ماليّة لشركات الدواء العملاقة، والآخر يعمل على احتكار الدواء والهيمنة على مصادر انتاجه سياسياً ومالياً، والى تحقيق مكاسب سياسيّة وانتخابيّة من وراء الأزمة، التي ضربت العالم، بينما يركز البعض على عدم اثارة الذعر الذي قد يقود الى انهيار الاقتصاد، من دون الاهتمام بمن يصيبه الوباء بعد أن حسمت الكارتلات الاقتصاديّة الكبرى، أمرها امام سؤال أخلاقي كبير من نوع" هل أن الانسان أهم من الاقتصاد ام العكس"، ويبدو ان الدول الكبرى قد قررت المسير في الاتجاه الثاني، فصرنا نسمع عن سيناريوهات مرعبة، تتحدث عن إمكانية التضحيّة بالملايين من اجل استمرار حياة ما يتبقى من البشر.
 الحقيقة المؤلمة التي يؤكدها الخبراء هي ان منع انتشار الفيروس أصبح أهم من معالجته في ظل وجود قناعة بعدم توفر الوقت الكافي لاكتشاف علاج جديد، واختباره على الحيوانات، ثم على اعداد محدودة من البشر، ثم على اعداد قد تصل الى الآلاف وانتظار النتائج في كل تلك المراحل، قبل السماح بتصنيعه وتسويقه، الى العالم، لذلك تعمل المختبرات الدولية على اكتشاف لقاحات تمنع الإصابة بالمرض، لكن صناعة اللقاح عملية معقدة تحتاج الى أشهر من الأبحاث، حتى لو تم انتاجه سيبقى انتاجه مسألة معقدة، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد والسياسة والقانون واللوائح، فهل سيكون اللقاح متاحاً لجميع الدول على قدم المساواة؟ وهل سيكون جميع البشر قادرين على دفع ثمنه؟، أم ان قيم الإنسانية ستنتصر في النهاية للجنس البشري وتتيح للجميع الحصول على اللقاح، هل يتمتع العالم بالأخلاق الكافية، التي تجعل من اللقاح متاحاً امام الفقراء والاغنياء بعد ان سقطت الدول الكبرى في اول الاختبارات الأخلاقيّة؟ الإجابة على السؤال غير مشجعة، فـ" كورونا" كشف عن جشع ولا إنسانية النظام الدولي الذي يتحكم في العالم.