الأمنُ الوبائيّ

آراء 2020/04/06
...

د. سعد العبيدي
 

إنّ العراق في أزمة حادّة، بل العالم بأسره في أزمة حادّة تتعلق بانتشار فيروس الكورونا، أو (كوفيد 19) لمستوى باتت فيه دوائر الصحة والسياسة تصنيفه وباءً عالمياً، حذّرت منه منظمة الصحة العالمية وحثّت لبذل المزيد من الجهد والمال للتعامل معه. وكذلك فعلت غالبية الدوائر الصحية في الدول على كرتنا الأرضية التي شعرت، أو استشعرت هي أيضاً، جدّية التهديد الآتي من هذا الوباء. 
ولو عدنا في هذا الشأن إلى بلدنا العراق، نجد أنّ دوائره الصحّيّة لا تختلف كثيراً عن غيرها من الدوائر الصحّيّة في دول العالم من نواحي التحذير والتنبيه وإصدار التعليمات. لكننا نجد، في الوقت ذاته، أنّها تختلف، حقّاً، من النواحي الإجرائية التطبيقية ومديات الجدّية التي لا تتناسب أحيانا وسعة التهديد، وتختلف كذلك لما يتعلق بالبنى التحتية الصحيّة الصالحة لإتمام دورة التعامل مع هكذا تهديد خطير، بدءاً من التوجيه والإرشاد تحسباً، وإلى الحجر الصحّي ومتطلباته وقاية، ومن ثم تقديم العلاجات والإجراءات المناسبة، أو القريبة، للتجاوز والتخفيف إذ لم يتم إنتاج العلاج الملائم عالمياً 
بعد. 
إنّ الاختلاف بيننا، كدولة وشعب، في واقع الحال، وبين الدول والشعوب، مردّه إلى طبيعة شعبنا الذي توغّل عميقاً في جوانب الغيبيّات التي تتأسّس على الفهم الخاطئ للدين والحياة (الجهل)، بل قبل طوعاً أن يكون طرفاً في كثير من مسائلها حدّاً وجدت فيه دوائر الصحة والجهات الأمنية أنّها في حالة مواجهة قاسية أحياناً مع الخروق العمدية للتوجهات المتأتية من الفهم الخاطئ أكثر من صراعها من المرض كوباء، فمنع التجوال، على سبيل المثال، لم تلتزم فيه أحياء وقطاعات لأوامر الجهات الحكومية، فأخذ المتسببون بها من جهد الدولة الكثير وأسهموا من حيث لا يعلمون بنشر المرض، والصلاة الجماعية والزيارات التي لم يلتزم في موضوعها العديد من المواطنين بتوجيهات المراجع الدينية الجادّة والعاقلة، فأسهموا هم، أيضا، من حيث لا يعرفون في تكوين بيئة مناسبة لانتشار المرض وتعريض البلاد للخطر. 
إنّه خطر جادّ يهدد الأمن المجتمعي، يحتاج إلى جهد مضاعف من قبل مؤسسات الدولة، ويحتاج إلى قوانين وضوابط وتعليمات تصاغ على وفق مفهوم صحيح لأمن وبائي يلتزم في حدوده المواطن بتعليمات الدولة، يعاقب على وفقها المخالف بشدة في حال خرقها، لأنّ المشكلة ليست في إصابة زيد وعمرو، بل في حال إصابتهما سيكونان ناقلين للمرض، وسيعرّضان حياة الآخرين للخطر. 
إنّ الوقت لم ينتهِ بعد، ولم تفلت زمام الأمور من قبل الدولة، والمجال ما زال مفتوحاً لإنتاج مفهوم الأمن الوبائي فالآفات والأزمات والأمراض في هذا العالم الذي اعتقدنا لسنين أنّه آمن، تبيّن أنّه ليس آمناً وسيواجه بسببها، مستقلاً، الكثير من التهديدات، والتحسب لها وصياغة مفاهيم صحيحة للتعامل مع مثيلاتها من مهام الحكومة وعموم المختصين في دوائرها والمؤسسات.