كربلاء تستعد فأربعينيَّة الوفاء على الأبواب

ريبورتاج 2020/09/29
...

   كربلاء: علي لفتة
من بعيد وأنت تقترب من مدينة كربلاء تدور حولك المنائر والقباب الذهبية، ثمة ضوء ساطعٌ حتى لو كان في عز الظهيرة، لمعة روح يهطل خيطها من السماء الى مركز المعاني، ثمة معنى يأتي من حيث لا يدري الزائر غير الشعور بذلك الارتباط العاطفي والوجداني المرتبط بالتمسك بما هو غيبي وحتى عقائدي.
ليس هنالك زائر عراقي لم يأت من قبل الى كربلاء، لكنه حين يأتي في المناسبات الدينية تكون الروح مختلفة، ويكون الملاك مختلفا وتكون النية التي فطر عليها الانسان مختلفة ايضا، وما بين أن تأتي مبكرا وأن تأتي في وقت الذروة، ثمة إحساسٌ رهيبٌ ورهيب، بل إن هذا الاحساس يكون أكثر غرابةٍ للذي يسكن كربلاء، حيث يكتشف نفسه عن أنه يشبه من يقطع المسافات مشيًا على الأقدام.
 
ليس هنالك زائر عراقي لم يأت من قبل الى كربلاء، لكنه حين يأتي في المناسبات الدينية تكون الروح مختلفة، ويكون الملاك مختلفًا وتكون النية التي فُطر عليها الانسان مختلفة ايضا، وما بين أن تأتي مبكّرًا وأن تأتي في وقت الذروة، ثمة إحساسٌ رهيبٌ ورهيب، بل إن هذا الاحساس يكون أكثر غرابةٍ للذي يسكن كربلاء، حيث يكتشف نفسه عن أنه يشبه من يقطع المسافات مشيًا على الأقدام.
 
زوار ومسافات
الزائر معنيٌ أنْ يكون على تمام الوصول والاداء للزيارة، لذا فهو محملٌ بطاقة أخرى، معاندة لما هو جائح من كورونا، اذ لا يريد أن يكون فيروس كورونا عقبة في عجلة مسيرته او الحجر على صعود الجبل الإيماني، كما يقول الزائر عبد الله تقي من الناصرية.
يضيف عبد الله "انه جاء مبكرا هذا العام ليرى المدينة قبل ان تسبح بأفواج الزوار، اذ كنت أسير مع الافواج من مدينة (طويريج)، فعمري السبعين لا يسمح لي ان أجيء من الناصرية فانزل في طويريج واقطع المسافة المتبقية مشيا، هذا العام قلت لا بدّ من أن أحضر قبل الزيارة، ايمّم وجهي بصلاة الزيارة، وأعود محملا بعدة الوقاية من فيروس كورونا، ويؤكد انه وجد المدينة وكأنها هادئة، لا شيء فيها يوحي بأن الوباء سيكون واقفا على الباب، لأن الجميع هنا يعمل على إبعاد الفيروس عن أجساد الزوار".
 
نذر الطاقات
وهو الامر ذاته الذي قاله الزائر احمد سلام (33 عاماً) من بغداد، "جئت من مدينتي يوم الجمعة لأعود السبت، وانا افعل ذلك في كل الزيارات، فأاتي قبل الموعد لأؤدي الزيارة براحة تامة، فالازدحامات تجعلني انتبه على من حولي لا الى داخلي الذي أريده أن يكون ملتصقا بالثورة الحسينية. 
وأضاف سلام "انني وجدت كل شيء مستعدا وهذه الحقيقة، والاستعداد على شكلين، أن يكون الزوار مرتاحين، وألّا يصاب أحد منهم بالفيروس، فقد رأيت اجهزة فحص، وأناسا شجعانا يعملون من اجل خدمة الناس وهم ينذرون طاقاتهم لخدمة زائري الامام الحسين عليه السلام".
 
مليونيَّة لا محالة
في الزيارات السابقة كانت الخطط تتجه باتجاه واحد، وهو ضمان سلامة الزائر من الارهاب، وتقدم له الخدمات من مأكل ومشرب واجراءات صحية، لكن هذه الزيارة تختلف، فقد أضيف لها همّ صحي يرتبط بالجائحة، التي تطالب الجهات العالمية ومنظمة الصحة العالمية جميع الناس على الكرة الارضية بالتباعد الاجتماعي، لذا فالزيارة الاربعينية هي زيارة مليونية، سواء منعوا الزوار الاجانب او لم يمنعوهم، كما يقول الناشط في مجال المجتمع المدني محمد الاسدي.
ويضيف "ان اجراءات اخرى تقع على عاتق الجميع، وهي المساهمة بقدر اكبر في تطبيق الخطط ، سواء المتعلقة بالأمن او الصحة لان الفرد أن أصيب أو كان مصابا، فإنه سيكون مؤثرا في دائرة محيط تتسع كلما تحركت الدائرة باتجاهات أخرى لتكون دوائر ايضا، وهذه مسؤولية كبيرة نبهت عليها المرجعية الدينية العليا، والتي طالبت الزوار بالالتزام بكل التعليمات التي تطلقها خلية الازمة في بغداد او كربلاء، او حتى المحافظات التي ينطلقون منها باتجاه كربلاء".
 
جهد تنظيمي
محافظ كربلاء المهندس نصيف جاسم الخطابي لا يخفي ترحيبه الحار بالزوار ويقول "إنها خدمة ما بعدها خدمة، وانه لشرف كبير ان نكون مسؤولي مدينة فيها ضريح الامام الشهيد، ونحن نخدم زواره مهما كان هذا الزائر ومن اية مدينة كان، او دين او مذهب او قومية، فهو زائر لابي الاحرار".
يوضح نصيف "ان الموضوع المختلف هو جائحة كورونا، ولهذا فان الخوف ليس من عدم تقديم الخدمات، بل من عدم الالتزام بالتعليمات من قبل الزوار".
ويستدرك الخطابي"ان زيارة العاشر من محرم الحرام السابقة كانت مفيدة لنا وللزوار ايضا، ورغم انها زيارة لا يتوجه فيها الجميع الى كربلاء، لكن ركضة طويريج التي شارك فيها مئات الآلاف من الزوار في وقت ذروة الجائحة اعطت تجربة ناجحة، وبيّنت اهمية تعاون الزائر مع الجهات المسؤولة".
ويشير "الى ان النجاح لم يكن لطرف معين، بل الجميع وعلى رأسهم ادارتا العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، حيث وفرتا كل شيء من اجل سلامة الزوار اولا ونجاح الزيارة ثانيا، وان الملاكات الخدمية والهندسية في المحافظة، ستكون موجودة لضمان عدم الاضرار بالطرق والبنى التحتية، ومنع التجاوزات على الممتلكات، ولاستمرار الحركة التجارية، وتوفير العوامل المساعدة للمواكب، كأسطوانات الغاز وسيارات الماء الحوضية، وان مئات المواكب ستنصب الخيم والسرادقات قبل ايام من المناسبة، وهي بحاجة الى جهد تنظيمي وخدمي كبير".
 
خطة عزل
وأنت تروم الوصول الى العتبتين الحسينية والعباسية، ثمة ما عالق بطريقة الروح لما تراه من عمل واستعداد، اذ يقول مدير اعلام العتبة الحسينية علي شبر "انه تم ادخال اجزاء كبيرة من مدن الزائرين الثلاث ضمن الخطة الخدمية الخاصة بزيارة الاربعين، وقد تمت تهيئة جميع أماكن المدينة لتقديم الخدمات للزائرين الوافدين الى كربلاء، مع الحرص على اتباع الاجراءات الوقائية، من اجل المحافظة على سلامة العاملين والزائرين، وان خطة هذا العام ستشهد مشاركة عدد كبير من المتطوعين لتقديم افضل الخدمات للزائرين، وقد تم وضع خطة لعزل الوحدات السكنية والفنادق، التي تأوي المصابين بفيروس كورونا بشكل تام عن القاعات والمنشآت الصحية والمساحات الخضراء والمضايف والمرافق الاخرى، التي خصصت لاستقبال الزائرين، مع الأخذ بعين الاعتبار تهيئة جميع سبل الوقاية وطرق التعقيم الحديثة داخل المدينة، وقد تم تجهيز 22 قاعة موزعة بين طابقين، وايضا تهيئة المضيف الداخلي بطابقين، وانشاء مضيف خارجي على طريق الزوار".
ولأن الزيارة الدينية تحتوي على العديد من المواكب وحركة تنفيذ الشعائر الحسينية الخاصة بالمناسبة، فان قسم المواكب وضع خططا هو الاخر، يحدثنا عنها مدير الاعلام " ان عزل مسير الزائرين والمواطنين عن المواكب الحسينية التي ستشارك في مراسيم الزيارة إلى ثلاثة أقسام وممرات رئيسة، الأول لمسير الزائرين، والثاني لمسير المواكب الحسينية، اما الثالث مخصص للمواطنين في الحفاظ على سلامة المعزين من التجمعات، والعمل على التباعد الاجتماعي، والالتزام بالتوصيات التي أكدتها المرجعية الدينية العليا ووزارة الصحة، وايضا تم العمل على إعداد خطة متكاملة لمنطقة ما بين الحرمين الشريفين، حيث ستكون المسقفات الكبيرة مهيأة لحركة الزائرين ذهاباً وإياباً بين مرقد الامام الحسين وأخيه العباس (ع) لتسهيل انسيابية التنقل". 
 
ثلاثة محاور
منذ عام 2003 والزيارات الدينية تشهد تصاعدا كبيرا في اعداد الزوار، خاصة الزوار من مختلف دول العالم، ولأن الجائحة منعت السفر فإنَّ قسم الاعلام، أخذ على عاتقه ايصال الزيارة الى العالم، لكي يؤدي محبو الامام الحسين (ع) الزيارة وهم في دولهم، من خلال نشر جميع الاعمال في المواقع الرسمية، بتقنيات حديثة والتصوير المباشر الحي لإيصال الزيارة الى خارج العراق.  يؤكد علي شبر " ان الخبرة في الاستعدادات صارت مهنية الى درجة لا يصعب معها ايجاد الحلول لكل شيء طارئ، ولان كورونا هي واحدة من علامات الطوارئ الكبرى في الزيارة، فان منظمة الصحة العالمية ومدير فرعها في العراق الدكتور ادهم اسماعيل، كان في العتبة واتفق مع الادارة على توزيع فرق تتجول في جميع مناطق كربلاء الداخلية والخارجية في المحاور، ومقدرتها في مدن الزائرين وتوزيع الكمامات وتوعية الزائر على الوقاية من الجائحة، وانه سيتم توزيع المفارز الطبية ونشرها في جميع المحاور الثلاثة، بابل والنجف وبغداد، وستقدم ثلاث وجبات طعام للزوار، لكي نتجنب الاصابة بالفيروس، لأن هذه الأطعمة المقدمة ستكون تحت إشراف طبي".
يردف مدير الاعلام "ان التباعد الاجتماعي يحتم ايجاد مساحات اخرى، فالمدينة القديمة وان توسعت مساحاتها منذ سقوط النظام، واضيفت لها مئات الامتار المربعة، إلا انهت ستتم ايضا اضافة مساحات للزوار في منطقة التل الزينبي، التي يجري العمل في تنفيذ المشروع حاليا، وهذه المساحات ستكون جاهزة خلال
الزيارة".