آلاف المتابعين لمشاهير بلا محتوى

ريبورتاج 2020/11/22
...

  فاطمة سلام الجمالي
 
ارقام فلكية للمتابعين والمعجبين, بفتى او فتاة موديل اعلانات, او من يطلق على نفسه من الجنسين صفة الاعلامي، والاعلام منه براء, او شاعرة, وهي لم تكتب سوى تفاهات، او مدون ينشر فضائح وأكاذيب، ومع هذا ينشغل المتابعون بأخبارهم وعلاقاتهم الخاصة، وظهورهم في الاماكن العامة وازيائهم وقصات شعرهم، بينما يجهل امثال هؤلاء من المتابعين من هو محمد خضير، ومن هو فائق حسن، ومن هو الاب أنستاس الكرملي، وغيرهم من المبدعين.  

العبرة في الاحتراف
 يقول د.طه جزاع  كاتب واكاديمي "من اجل إزالة اللبس والخلط الذي قد يتبادر الى ذهن القارئ, فيظن أن مقياس الحكم على الأشياء والأشخاص هو في عدد المتابعين والمعجبين من عامة الجمهور لا خاصتهم, اول ما نقوم به هو فك الارتباط بين الادباء والعلماء والشعراء والفنانين الحقيقيين عن غيرهم ممن لا يمتلكون مواهب حقيقية في هذه الأنشطة الذهنية والإبداعية, وليس لهم فيها ناقة ولا جمل، فمن الاجحاف القول ان كبار الادباء والعلماء لا يحصلون على متابعين بالملايين, وذلك لما للادب والعلم  من اثر بالغ في بناء الحضارة الانسانية, وتحقيق التقدم البشري, حتى ان تم ذلك بصمت ومن دون ضجيج, وهو ديدن العلماء وهم منكبون على تجاربهم من اجل خدمة البشرية, لا من اجل الشهرة والنجومية ومتابعة الملايين!." 
وخير دليل على ذلك ان اسماء العلماء الذين يفوزون بجائزة نوبل في كل عام, مجهولة لعامة الناس, ويبقون مجهولين حتى نيلهم الجائزة, الا في حدود اختصاصاتهم في الطب او الكيمياء او الفيزياء والاقتصاد او علم وظائف الاعضاء "الفسيولوجي"، فباستثناء قلة قليلة منهم تسلط عليهم الأضواء لسبب من الأسباب، فتتداول الناس اسماءهم لمدة قد تقصر او تطول, وبالطبع يستثنى من ذلك ايضاً الذين يفوزون بجائزتي الأدب والسلام بسبب طبيعة هذين النشاطين, وقابليتهما للانتشار في وسائل الاعلام وبين عامة الناس, وما يصاحب الفوز بهما من ضجة اعلامية في العالم اجمع, لاسيما في بلد الفائز أو بين قوميته, أو ربما حتى بين أبناء دينه ومعتقده, او حتى لأسباب سياسية أو ايديولوجية.  
من جانب آخر يوضح الدكتور جزاع " لا ارى ان مصطلح انصاف الشعراء والشاعرات والإعلاميين والإعلاميات, والمثقفين والمثقفات…..  إلخ, دقيق تماماً، فالشاعر اما أن يكون شاعراً او لا يكون, فالاختلاف في الدرجة لا في النوع, ودرجة الشاعرية والخيال والتجديد والابتكار والمواظبة والاستمرارية, وهذا ما ينطبق على مختلف الأصناف الأدبية والفنية, فنقول شاعر تقليدي أو شاعر مجدد, وفنان خامل أو فنان مثابر, وإعلامي محدود الكفاءة وآخر بارع, لذلك يبرز نجوم في كل هذه المجالات الابداعية".
ليس العبرة في عدد المتابعين لهذا الشخص او ذاك, فمهما كانت هذه المتابعة كبيرة حتى وان تجاوزت الملايين, فإنها إن لم تكن قائمة على أساس صحيح وابداع أصيل فإنها سرعان ما تزول ويصبح أصحابها في طي النسيان, وقد يكون السبب في هذه الظاهرة سهولة الوصول للناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي, واستسهال النشر بالكلام والصور والفيديوهات وغيرها, فضلاً عن هبوط الذائقة الثقافية والفنية عند بعض المتابعين، واستسهالهم لبث ما ينشر أو يذاع في تلك الوسائل, لكن يبقى للعلماء والأدباء والكتاب والإعلاميين والفنانين الحقيقيين الدور الأساس في صنع الحياة, وفي الارتقاء بالذائقة الجمالية للمجتمع, وان خفتت المتابعة لهم إلا من قبل النخبة التي تقدر اعمالهم وانجازاتهم الابداعية, والأمة بعلمائها ونوابغها, وليس بالمبدعين مهما بلغت أعداد متابعيهم.
 
تبني العابر
بينما يرى عبد العظيم فنجان  وهو شاعر " ان هذه ظاهرة عالمية, والأمر يتعلق عربياً بمحمولات الكبت والقهر اللذين يعاني منهما الفرد العربي في بلاده". لقد اسهمت المواقع الاجتماعية بذلك للاسف, وقد اسست لثقافة القطيع ومنها الطائفة والدين, وباقي خزعبلات العقل العربي المكبوت, وبرزت من خلال ذائقة متهافتة, ضيقة وغير حساسة للجمال. 
هناك حقيقة واضحة هي أن المواقع الاجتماعية "فيس بوك وانستغرام وتويتر" وسوى ذلك هي مواقع للتعارف وللصلة الاجتماعية اكثر منها للصلات الفكرية او الثقافية.  
اما المثقفون فحملوا جمهور تلك المواقع قضايا كبيرة عليه, ولذلك حصل رد فعل عنيف يتمثل بالاهتمام بما هو عابر ويومي, وهذا العابر واليومي تبنته مجموعة من المدونين الذين صاروا نجوما لسهولة مادته وركتها لأنها تخاطب الوعي الساذج والبسيط.
فقدان الرقابة
ويشير رسام الكاريكاتير عبد الحسن الى أن "لكل فن من فنون الابداع خصوصية، فالفنان والشاعر والاعلامي يجب أن تتوفر فيه ثلاثة شروط رئيسة هي الموهبة، والفكرة، والاسلوب، وكل شخص يملك مستوى من الابداع يؤهله ليكون في مستوى معين يتفاوت طبقا لمستواه الفكري والادبي، ويعرف اساسيات اختصاصه وسر مهنته ، اما عن طريق الدراسة او الاطلاع الى أن يصل الى محترف".
ويضيف عبد الحسن "في الماضي كان كل شخص مختص بفن ابداعي معين، عندما ينضم الى أي جهة حسب اختصاصه يجب أن يخضع لاختبار من لجنة مختصة لتقرر صلاحيته من عدمها، اما الان فالوضع مختلف، فوضى عارمة وخاصة في ظل التطور التكنولوجي وكثرة وسائل التواصل الاجتماعي، فكل شخص يطلق على نفسه لقب فنان او اعلامي او شاعر او تسميات اخرى من دون ضوابط او رقابة، فينشر ما يشاء واغلبها غير صالحة للنشر بمستواها، وتنهال عليه الاعجابات والتعليقات المشجعة واغلبها نوع من المجاملة والعلاقات الشخصية التي تندرج في اطار التخلف الفكري للبعض، وهؤلاء الاشخاص الطارئون على هذه الفنون ربما لهم صدى واسع وشهرة اكثر من اصحاب الاختصاص المحترفين الذين لديهم باع طويل ومقدرة عالية، لكونهم يقدمون اعمالهم لتحاكي النخبة المتذوقين للفن واصوله، لذلك تضيع كل المقاييس بين المحترف والهاوي والدخيل".
 
غياب المحتوى 
 ويلاحظ  علي وجيه، كاتب وإعلامي ان "في كل زمن يحظى الفن الأصيل بمتابعين قلة، إذ يكاد يكون الفن أو المحتوى الرفيع هو محتوى نخبوي، وبالتالي يكون بعيداً عن العامة، وتستعيض العامة عن الفن الرفيع الذي لا تتعاطى معه مثل الأوبرا أو النحت أو التشكيل أو الشعر الذهني بفنون موازية تكون أقل جودة، مثل الاستعاضة بالشعر المكتوب بشكل مباشر وسطحي، أو فنون "الكيتش" الهابطة بدلاً عن الموسيقى الكلاسيكية مثلاً، أو الفن التشكيلي "الكيتش" بدلاً عن الفن التجريدي، والشعر المكتوب بشكل مباشر وسطحي غير السعي للفن الشعري، وهذه تكاد تكون ظاهرة منذ نشأة الفن والمجتمعات، وبالتأكيد هي تنعكس على السوشيال ميديا والفيس بوك".
ويردف وجيه "ان صفحات الروائيين العالميين أو الشعراء الكبار أو الفنانين التشكيليين تحظى بعدد متابعين أقل، لأنك حتى تتعاطى مع فن رفيع تحتاج إلى حمولة معرفية معينة وإلى تعليم معين وإلى ذوق معين، وبالتالي فليس كل الناس حريصين على هذا أو ربما لا يمتلكون وقتاً ولا مزاجاً لفهم أو تطوير الذوات المعرفية، وهذه نتيجة طبيعية، لأن يسود الركيك أو الغث، بينما ينزوي المحتوى الأصيل والنافع والهادف إلى عدد معين من المتابعين".
 
الترويج الساخر
ويبين أحمد الحسيني صحفي وصانع محتوى علمي "يكون المحتوى متطورا بتطور سمات الحراك في البلد المعني، فمنذ ظهور الانترنت كفاعل اجتماعي في العراق، اصطدم بانعدام وجود اي نوع من انواع الانساق الثقافية التي يمكن أن يستند عليها في صناعة المحتوى، لذلك توجه المحتوى العراقي على الانترنت لصناعة الفوضى الثقافية غير المنظمة، فذهب الجميع نحو تصوير وتمثيل مقاطع الفيديو المسماة جزافا بـ"المضحكة"، او للبرامج السياسية الساخرة التي تنفس عن كرب الجماهير وحنقهم تجاه الانظمة المتعاقبة بعد 2003".
ويضيف الحسيني "تعزى ظاهرة تصدر المحتويات التافهة لقائمة الرواج على منصات التواصل لتكاسل الانموذج البديل وترك الساحة للتفاهة وانتشارها، ما جعل اصحاب الموارد والاموال والمنصات التي تمتلك هدفا وحيدا وهو الربح، يتوجهون نحو صناع المحتوى التافه والاستثمار في محتوياتهم".
 
تبني ثقافات غربية
وتعتقد خمائل زين تركي باحثة اجتماعية أن "حادثة موجة تردي الذوق العام والجمالي، هي نتيجة ضرب العولمة لمنظومة الذوق الراقي، ودخول الاذواق الاجنبية والثقافات الموسيقية المختلفة الى ساحة الفن، فاختلفت الرؤى واصبح الانحدار من الاسفل للاسفل, ومازالت بعض مجتمعاتنا العربية ملتزمة بالتراث والاغاني الشعبية القديمة، وكثيرا ما نرى شباباً في عمر صغير يستمعون لاغاني عبد الوهاب وفيروز، و بدا الرجوع والتراجع للاذواق يضمحل". 
 وتبين تركي "اليوم الفن والإعلام والشعر في اسوأ حالاتها، فهناك فرق بين الأمس واليوم من حيث نوع الأغنية واختيار الكلمات واللحن المتصدع للاسف ، فمن يسمعون ام كلثوم او من على شاكلتها اصبحوا شبه قلائل، والأغلب هم من يسمعون الاغاني الحديثة السريعة الاستهلاك, وهناك بعد بين الجيلين اذ تعد ثقافة الجيل السابق غير متجانسة مع الفئات العمرية المنجرفة نحو التغيير المتأثر بالعصرنة والإعلام الاجتماعي، وايضا لا ننكر هناك من شعراء في ربيع العمر وكذلك فنانون وفنانات ولكنهم لم يأخذوا دورهم الاكبر في الساحة الشعرية والفنية".