معاناة المواطن من إيجار السكن

ريبورتاج 2020/12/07
...

بغداد: مآب عامر
 
كانت منازل المنطقة التي أسكن فيها يوما ما كبيرة، الأمر الذي كان يدفعنا لقضاء وقت المساء في حدائقها الخضراء الواسعة.وأصبحت المنازل نفسها الآن صغيرة وضيقة لدرجة جعلتنا نبتعد عما كنا عليه في السابق، إذ تحولت الحدائق الأمامية والخلفية وكذلك المساحات غير المستغلة كالباحات الخارجية والأسطح والشرفات إلى منازل. 
، وصرنا نتعثر عند المرور من أمامها في شوارع المنطقة بأكوام الرمل ومعدات البناء، ونتوه أحيانا بسبب أشكالها التي تغيرت تدريجياً عن تحديد المنزل الذي نرغب بزيارة أصحابه. 
بدأت هذه التغيرات منذ سنوات، اذ لجأ أصحاب المنازل إلى استغلال أية مساحة فارغة لبناء منازل وشقق صغيرة ومن ثم يُسمح لأي أسرة بحاجة للسكن بتأجيرها.
ولكن، السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل صعوبة العثور على أماكن السكن دفع بأصحاب هذه المنازل إلى تحويل مساحاتها الفارغة لوحدات سكنية لتأجيرها فحسب، أم أن هناك سبباً آخر؟
 
صاحب المنزل
تقع قطعة ارض قيد التشييد والبناء الآن على بُعد القليل من الأمتار من واجهة المنزل الذي أسكن فيه، وتعد مساحتها صغيرة نسبيا، إذ اختار صاحبها بناء المزيد من المنازل فيها لغرض تأجيرها لاحقا، يقول خليل متعب، إنه «لم يفكر يوماً بتحويل حديقة منزله إلى أربعة منازل صغيرة (مشتملات). لكن قطاع عمله في بيع السيارات تأثر كثيراً جراء الأوضاع غير المستقرة في البلاد وتبعاتها».
كما أن المستحقات المالية لإيجارات المنازل تأثرت بدورها، وأصبح يعتمد عليها في توفير لقمة العيش وخاصة بعد نقص توافر الأماكن المؤجرة نتيجة ارتفاع أسعارها، ما يجعل متعب البالغ من العمر الآن (59 عاماً)، يسارع في انجاز تلك المهمة.ويعتقد متعب، أن بناء المنازل والشقق لتأجيرها لاحقا، من المشاريع الناجحة لأنها تتيح لمالكها الإفادة من مستحقات الإيجارات الشهرية من دون جهد أو أن يتحمل أية خسارات عند العمل.
 
دخل إضافي
وثمة آخرون غير خليل متعب يحاولون الإفادة من منازلهم التي لا تحتوي على مساحات فارغة أو حدائق عبر عزل الغرف داخلها وإعادة تصميمها من جديد لإضافة بعض الملحقات كالحمام والمطبخ ومن ثم تأجيرها لأسرة صغيرة بعدد أفرادها أو للمتزوجين الجدد.
فمساحة (25) مترا يمكن أن تكون صالة واسعة يتم تصميمها عبر بناء حيطان لتوفير الحمام والمطبخ، كما يقول عبد الله رعد (44 عاما) إنه «يمكن للمستأجر أن يستفيد من مساحة الصالة من خلال قطعها بحاجز داخلي وتحويلها إلى غرفة نوم وصالة». طريقة تقسيم ما بداخل المنزل من غرف وعزلها مشاعة أكثر في المناطق والأحياء الشعبية التي يرى رعد أنها «وسيلة لتوفير دخل إضافي لا بأس به».
 
السكن بغرفة
ولا يجد زوج نور علي (34 عاماً) أية غرابة في أن يقضي حياته في السكن بصحبة زوجته وأطفاله الثلاثة بغرفة صغيرة في منزل أهله، ما دام الأمر لا يتطلب منه أن يدفع إيجارا شهريا، حسب قولها.فالارتفاع المستمر في أسعار إيجارات المنازل والشقق السكنية، من أهم الأسباب التي دفعت بزوجها لإقناعها بتحمل السكن في غرفة واحدة على الرغم من أنها «لا تنعم بحياة جيدة سواء لضيق الغرفة وحجم المشكلات الأسرية أو لأن أطفالها يشغلون مكاناً لم يعد يتلاءم مع سنوات عمرهم التي تتزايد»، وفق تعبيرها.
غالبا ما يفضل السكن مع أسرته بغرفة واحدة من المتزوجين الذين يعملون بمشاريع وأعمال غير مربحة أو مدخلاتها الشهرية قليلة، إذ لا يتمكن رعد كما غيره الكثير من تأجير منازل بديلة لما يسببه ارتفاع مستحقاتها المالية أو ايجاراتها من ضغوط.
 
التحدي الأكبر
بإمكان نبيل محمد (53 عاماً) الذي يعيش في بغداد، مثلاً أن يستأجر منزلاً قد تصل مستحقاته الشهرية إلى (500) ألف دينار عراقي، ولكنه يواجه تحديات ومصاعب عدة، منها حسبما يقول، «ما يتعلق باعتماد أصحاب الأملاك أو المنازل المعروضة للإيجار على بعض القواعد، كالتعويض المالي في حال الإضرار بالحيطان والشبابيك أو الحمامات وغيرها، والتي ما يجب أن تكون تغطيتها المالية من ضمن مهامهم، لأنهم يفرضون ايجارات مرتفعة». أما التحدي الأكبر الذي دائما ما يواجه محمد فهو في أن يكون الحد الأقصى لمدة التأجير لا تزيد عن عامين، «كي لا تفوت أصحابها فرصة الاستفادة من الارتفاع الحاصل بإيجاراتها»، على حد قوله.
 
مخارج قانونيَّة أو إداريَّة
معاناة المستأجر نبيل محمد لا تختلف عن غيره من الذين فرضت عليهم صعوبة المعيشة وتوفير قوت يومهم تحمل مزاجية أصحاب المنازل وضغوطهم المستمرة في رفع الإيجارات مقابل مساومته هو وغيره على الخضوع بشكل إجباري أو بإخلاء المنزل والبحث عن غيره بحجة بيعه أو ترميمه.إلا أن أكثر ما يزيد معاناة المستأجر عندما يرفض المؤجر أن يكون بينه وبين المؤجر (عقد ايجار رسمي)، في ضوء أن رغبته بإخراج المستأجر من المنزل قد تضعه في مواجهة القانون، وكذلك قد تقل قدرته على رفع الإيجار، كما يقول المحامي عامر ضياء.
وقد يشرع أصحاب المنازل المؤجرة إلى تحرير عقود تأجير رسمية مع إجبار المستأجر على تعهد خطي بتسليم المنزل لصاحبه في أي وقت يرغب فيه.ولا يعتقد ضياء بوجود حلول فعلية لأزمة السكن وارتفاع الايجارات مالم تهتم الجهات الحكومية باتخاذ سياسات من شأنها أن تدعم هذا الملف.
المحامي ينظر في توزيع قطع الأراضي على الأفراد الحل الأمثل للسيطرة على هذه الأوضاع، ويقول إن «إيجاد الحلول للتخلص من هذه الأزمة عبر تحديد الحد الأقصى لمبالغ الإيجارات، ربما تكون غير فعالة لأسباب كثيرة أولها يتعلق بوسطاء بيع وتأجير العقارات، إذ لن يتوانوا عن إيجاد مخارج قانونية أو إدارية ليبقى الحال كما هو».
 
السكن العشوائي
وهكذا ففي الوقت الذي يكافح فيه المؤجر لمواجهة تبعات تأجير السكن ويتحمل ارتفاع الإيجارات، نجد أن غيره الكثير ممن فقدوا وظائفهم ومهنهم اضطروا للسكن في العشوائيات أو في هياكل ومنازل غير صالحة لصعوبة توفير هذه الايجارات. إذ ارتفع عدد الاشخاص الذين يسكون العشوائيات في البلاد مقارنة بالأعوام السابقة، وذكر رئيس لجنة الخدمات والإعمار النيابية، وليد السهلاني في تصريح سابق، أن «نحو (5 - 6) ملايين شخص يسكنون العشوائيات، المتوزعة بين المحافظات العراقية». ولهذا الغرض، اتفقت لجنة الخدمات والإعمار النيابية في إطار مشروع جديد يعالج مشكلة العشوائيات على قراءته قراءة ثانية.وقال السهلاني: إن «اللجنة تعتزم إجراء ورش عمل مع الجهات القطاعية التابعة لوزارة التخطيط ومنظمات المجتمع المدني التي كان لها دور في طرح موضوع العشوائيات بشكل مكثف خلال السنوات الماضية».
وعن مشكلة العشوائيات، أوضح السهلاني أن «هناك فكرة لتمليك البيوت إذا كانت الأراضي المشيدة عليها العشوائيات وفق السياق الأصولي والقانوني».وبيّنَ أن «فكرة تمليكها كررت أكثر من مرة في لقاءات اللجنة بوزارة الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة».
وأضاف رئيس اللجنة «أما الدور المشيدة على أرض خارج التخطيط العمراني أو على أرض حكومية وخدمية فإنها تحتاج إلى حل واقعي كتعويض الساكنين بأرض سكنية تتوفر فيها الظروف البيئية الملائمة للسكن».