أرصفة بغداد.. متاجرة واستملاك

ريبورتاج 2020/12/12
...

غيداء البياتي
 
 
من أجل انشاء مرأب لسيارته عرقل سير المشاة والمركبات الخاصة بأهل منطقته وضيوفهم، ولم يكتفِ مروان من منطقة المنصور بمضايقة المارة، بل خلق طريقة جديدة تجعل كلَّ من يمر بسيارته امام سياج منزله المحاط باسلاك حديدية مدببة يتعرض للخدش او الضرر. لم ألتقِ مروان شخصيا، لكني اسرعت باتجاه السيارة التي من نوع «الجارجر»، ذات الموديل الحديث، التي تعرضت للضرر بسبب تلك السهام الحديدية، كان صاحب المركبة جارا سابقا لذلك الرجل الذي تجاوز على رصيف الدولة، مستغلا فوضى البناء لينشئ مرأبا خاصا لسيارته، ويمنع باقي السيارات من الوقوف بجانب الرصيف المسيج، ترجل الشاب من سيارته بوجه مخطوف اللون، التف حولها ليرى ما اصابها من ضرر وقد حزن وتعصب.
وقفت بجانبه وسألته ما السبب ألم تر تلك الاسهم الحديدية المثبتة بقوة في الارض؟، تحسب الله وقال:» كنت مسرعا ولم انتبه».
لعن الشاب ذلك الرجل المتجاوز على الشارع ورصيفه المخصص للمواطنين، وأخذ يذكر اسمه مرارا ويشتمه ويلعن مجاورته، واخبرني انه منذ العام الماضي، كان قد تشاجر معه بسبب استغلاله الرصيف، وانه قد كسر الانبوب الناقل للماء الصالح للشرب الخاص بمنزله والمنزل الذي يجاوره، اذ اوضح انه : { بصعوبة كبيرة وجهد وانفاق للكثير من الاموال، تمكنا من نقل الانبوب الى الرصيف المقابل، بعد ان رفض رفع تجاوزه، واليوم تسبب بضرر سيارتي، لا القي اللوم عليه، بل على امانة بغداد وكل من لديه مسؤولية الحفاظ على ممتلكات الدولة والمواطنين». 
كثيرة هي الحوادث التي يتعرض لها المواطن بسبب التجاوزات على الارصفة، فذلك الموقف السابق تجده عند الدخول الى حي الاعظمية والشعب والاسكان وزيونة والكرادة وباقي المدن في بغداد، حيث لا فرق بين المناطق الشعبية والراقية والرئيسة والفرعية.
 
فوضى البناء
الحادث الذي تعرض له عماد القيسي (45 عاما) في منطقته بالاعظمية، لم يختلف سببه عما تعرضت له سيارة الشاب في المنصور، حيث تحدث لـ{الصباح» بعد أن تأفف من كثرة الخناق والتضييق، الذي اصبحت عليه شوارع وأفرع المناطق السكنية، بسبب فوضى البناء والترميم وما يصحبهما من أذى بالشارع او الافرع العامة على ما يقول وأضاف:» ان المنطقة اصبحت بلا أرصفة، وهذا يجعل السير فيها خطرا جدا، فمنذ فترة تعرضت لدهس من قبل دراجة نارية، ادت الى كسر في ساقي اليسرى، وكان السبب حينها، عندما كنت اسير بالقرب من الشارع على جانب الرصيف المستغل من قبل احد سكان المنطقة، الذي أراد أن يحصل على قوت يومه من كشك صغير وبعض الأراكيل المنتشرة على الرصيف طولا وعرضا، متناسيا كمية الضرر اللاحق بالمواطن اولا وبالرصيف العام ثانيا، حيث انتشار النفايات وفضلات الاطعمة واعقاب السكائر ومعسل الاراكيل المحترق».
اما الموظفة في وزارة التخطيط انعام العبيدي (51 عاما)، فقد سقطت ارضا على كتفها الايمن وهي تخرج من منزلها لتلتحق بخط الدائرة وتضيف:» لا رقيب ولا حسيب، والكل اصبح يتجاوز على المال العام من اصحاب المنازل الى ممتلكي البسطيات، فجميعهم يفترشون الارصفة، صاحب المنزل الذي ضاق بيته عليه اخرج سلما حديديا على رصيف الدولة الملتصق بسياج منزله الى الطابق الثاني، وقام بتوسعة مساحة منزله على حساب راحة المارة بالسير».
وتشير انعام مسترسلة بحديثها :»بسبب تعرجات ارض الزقاق بمنطقة راغبة خاتون وتجاوز ذلك المواطن، خلع كتفي الايمن وتمزقت ثيابي بحديد ذلك السلم اللعين، وانا أهرول مسرعة محاولة اللحاق بالسيارة الخاصة بنقلي الى دائرتي».
 
رغيف الخبز
لم يتمكن الطفل باسم الزبيدي من منطقة الطوبجي من ايصال رغيف الخبز، لأهله بعد ان خطفه الموت بحادثة دهس من قبل سيارة اجرة من نوع «سايبا»، والده هو الاخر لم يجد رصيفا مخصصا للمارة، يسير عليه ليصل بأمان الى منزله.
والد الطفل باسم لعن الساعة واليوم الذي ارسل صغيره ليعينه بتوفير متطلبات أسرته، ويجهزهم بالرغيف فهو يقول:» كان المخبز قريبا من المنزل، لم يكن ظني ان الشارع خالٍ من الرصيف، بعد ان استغل من قبل البيوت المجاورة لانشاء مرائب لسياراتهم او حدائق عشوائية تخصهم»، مبينا «فوضى في التخطيط والبناء والعشوائيات دمرت الطرقات وشوهت منظر الشوارع، فسياج هنا وحديد هناك وخردة لقطع الغيارات في ذلك الركن، متى تنهي أمانة بغداد تلك المهزلة؟».
 
غلق ومنع
سمير رحيم شهيب مدير عام بلدية الكرادة، اكد  أن هنالك قانونا يردع المتجاوزين على الارصفة، حيث قال لـ(الصباح): «بموجب القرار المرقم 296 لسنة 1990 أعطيت صلاحية للسيد امين بغداد والمحافظين والقائممقامين ومديري النواحي، كلا ضمن اختصاصه، صلاحية فرض الغرامة على كل من يتسبب في تشويه الساحات او الطرق العامة او مضايقة المرور فيها او على أرصفتها، بأي طريقة كانت، فضلا عن الصلاحية الخاصة بغلق المحل الذي سبب هذا التجاوز ولمدة لا تزيد على «30» يوما».
واشار شهيب الى» ان دوائرنا البلدية وبالتعاون مع دائرة الحراسات والامن في أمانة بغداد، لا تسمح بالمخالفات البنائية، وتقوم بفرض غرامات على تلك المخالفات، لا سيما عند اجراء التصرفات العقارية؛ ونأمل من مواطنينا التعاون مع جهود امانة بغداد من اجل مدينة انظف واجمل».
العبيدي وذلك الشاب والقيسي ووالد الطفل جميعهم ناشدوا امانة بغداد والجهات المعنية بالتدخل السريع وفرض قانون، يحاسب المتجاوزين على الارصفة بكل المسميات، والامتناع عن بيع وشراء الارصفة وعدم استغلالها، كمكان للرزق او لرمي النفايات فيها او تكديس المخلفات عليها.
يذكر أن امانة بغداد كانت قد اعلنت عبر موقعها الرسمي وبتواريخ مختلفة، ازالة مجموعة من التجاوزات في شرق وغرب العاصمة بغداد، وأكدت الامانة أنها متواصلة في حملاتها لإزالة التجاوزات الحاصلة على الارصفة والشوارع والساحات والاملاك العامة للحفاظ على نظافة وجمالية المدينة.