ولمئة عام أخرى..جيشنا الباسل.. بوابة التضحيات الخالدة

ريبورتاج 2021/01/05
...

   ذوالفقار يوسف

تسقط قطرات دم لتمتزج مع تراب الوطن، انه المشهد الذي اعتاد أبطالنا تكراره عندما يهددنا الأوباش، لم نكن معهم حينها كما كانت التضحية، فهي درعهم نحو النصر، وسيوفهم الباسلة في المعارك، فجهادهم صار بديهياً في قبضتهم المقدسة، وأقدامهم التي خطت بمسيرات لا تنضب من الشهادة، ها هم اليوم يحتفلون كما نحتفل بالذكرى المئة لتأسيس جيشنا.

 
ومنذ القدم كان لتاريخ العسكرية في العراق اسم واضح، اذ ظهر اول جيش نظامي في الارض خلال القرن التاسع قبل الميلاد، متشكلا في بلاد الرافدين، اذ بدأ من العصر الاشوري ومن ثم الاكدي والبابلي والاسلامي، ليصل الى العصر الحديث بعدة جيوش مختلفة باختلاف حضارات العراق، الا أن الجيش العراقي الحالي، قد تم تأسيسه في عهد المملكة العراقية في ظل حكم الملك فيصل الاول عام 1921.
أحد هؤلاء الابطال المقدم علاء العيداني، المراسل الحربي لوزارة الدفاع، والناطق الرسمي باسم تجمع الاعلاميين الحربيين في العراق، والذي كان له نصيب في التضحية، ورغم فقدانه لبصره في إحدى تغطيات العمليات العسكرية التي قام بها في معركتنا ضد "داعش"، الا انه عازم على الاستمرار برؤية الوطن للدفاع عنه، يحدثنا بعزم وقوة ويقول: " لقد تم تأسيس جيشنا الباسل في البداية في فوج الامام موسى الكاظم (عليه السلام) في خان يقع في مدينة الكاظمية، بعد ذلك تم انشاء اول فوج مشاة، بعدها توالت انشاء الوحدات العسكرية بالتأسيس والتشكيل، حتى وصل ذروته في زمن الملكية عام 1936، وقد تأسست حينها القوة الجوية وباقي التشكيلات البحرية".
 
الرابع عالمياً
يضيف العيداني "عند وصولنا الى عام 2003 انهارت المؤسسة العسكرية، ليتم تأسيس الجيش العراقي الجديد، كانت نواته فرقة التدخل السريع الاولى، وبدأ الجيش بمحاربة القاعدة آنذاك، وتم الانتصار عليها، ليكون بعدها بخطة فرض القانون وخطة بغداد لاستتباب الامن في محافظات العراق، حيث كان هناك بعض من جيوب القاعدة تم القضاء عليها، بعد استعادة الجيش قوته لعام 2014، حيث انهيار مدينة الموصل وسقوطها، ولكن بفضل الله استطاع الجيش العراقي لملمة جراحه والعودة من جديد لمحاربة الزمر الارهابية، التي تتمثل بعصابات داعش الارهابية، وتم النصر وتكبيد العدو خسائر كبيرة وانهاء الدولة المزعومة في العراق، حيث كان له دور كبير في الوطن العربي لدحر هذه المجاميع الارهابية، لذلك نحتفل بهذا التأسيس الذي يتزامن وتأسيس العراق على يد الملك المرحوم فيصل الاول".
يستذكر المقدم علاء " ان الجيش العراقي قد احتل المرتبة الرابعة عالمياً في عام 1990، حيث تشكلت وزارة الدفاع العراقية، التي ترأسها الفريق جعفر العسكري والتي بدأت بتشكيل الفرق العسكرية بالاعتماد على المتطوعين، اذ كانت نواة الكلية العسكرية الاولى، والتي تعد من أفضل الكليات في العالم وأرقاها، تخرج فيها افضل الضباط على مستوى الوطن العربي والعالم، ونحن نفتخر بهذه الكلية وبمؤسساتنا العسكرية، ولا يسعني غير أن أبارك لجيشنا العراقي هذه الذكرى، أدعو أن يكون بألف خير والرحمة لشهدائنا الابرار والشفاء العاجل لجرحانا، وأن يجعل العراق أمنا وأمانا وأن نبقى سيوفاً بتارة لكل من يريد به السوء".
 
صقر العراق
ولم تكن مهمة الجيش هي مسك الارض فقط، فصقور السماء تحلق منذ تأسيس طيران الجيش والقوة الجوية، وقد خرجت ضباطا اكفاء لمهمة حماية سماء الوطن، المقدم علي كاظم صالح احد ضباط تشكيل طيران الجيش وأحد صقورها، ومنذ أن تعلم الطيران حلق فوق معاقل الارهاب مهدداً بذلك مخططاتهم، يحدثنا وقد نشر جناحيه ليذود عن سماء الوطن "خلال هذه السنين ازدادت قوة جيشنا الباسل بزيادة التهديدات الارهابية، التي تمثلت بالقاعدة وداعش الارهابيتين، ومع هذه القوة كان التطور حاضرا في خطط القتال واستحداث اساليب جديدة، والشاهد على ذلك عندما ادخل طيران الجيش طائراته في قتال الشوارع، استطاع أن يحسم العديد من المعارك، وما هذا الا دليل على تطور جيشنا العريق، وبهذه المناسبة لا يسعني الا تهنئة نفسي واخوتي في الجيش بجميع أصنافه بهذه المناسبة، وادعو الله ان يرحم شهداءنا الأبرار".
حدودنا هيبتنا
وبعد دعاء العيداني لوطنه وحزمه في الدفاع عنه، يقاسي الجندي محمد مؤيد البرد الشديد عند حدود بلدنا الشمالية، يضم بلده كما يضم سلاحه لصدره، ويحاول أن يحارب البرد بقطع الخشب التي احرقها، بدفء قلبه وحرارته لوطنه يقول: " لا يهمنا لا حرارة الصيف ولا برد الشتاء، ان الاقدام ثابتة باذن الله، ويشاركني بهذا العهد اصدقائي في البسالة، انهم سندي عندما تبدأ المعركة، اذ لا بدّ أن يكون للبلد رجال، ومن حسن حظي أن اكون احدهم، وهذه المهمة التي أنيطت لي بحماية حدود البلد، هي ما تجعلني اقوى واكثر ثبات، وساكون عند حسن ظن الوطن والعراقيين".
مؤيد يبتسم لهذه السنوات المئة ويضيف " اهنئ اخوتي في الجيش اولا لمرور 100 عام على تأسيس جيشنا المقدام، وأهنئ نفسي ثانيا لأخذي مكانا بهذه القدسية، وأدعو من الله أن يحمي الجيش والبلد، ولنكون دائما وابداً درعا يحميه من شر الاعادي والى الابد".
 
"المهنة جندي بكل فخر"
وبالرغم من الدروع والسيوف التي قابلناها في هذه العيد، الا أننا وجدنا ما هو أقوى، ابو علي الذي استشهد ولده دفاعا عن الوطن والمقدسات، أراد أن يشاركنا الفرحة، يحدثنا وقد تذكر أحد المنشورات التي نشرها ولده الشهيد في ذكرى عيد تاسيس الجيش في أحد الأعوام السابقة " لم انتبه لمرور عيد تاسيس جيشنا الباسل، الا عند الخروج الى الشارع، كانت العجلات العسكرية تزيّن بالأعلام العراقية وأشرطة الألوان، التي تبعث على السلام وبعد فقدي لولدي ومع متابعتي لحسابه على مواقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك"، ظهر لي أحد المنشورات التي قام بنشرها سابقاً بذكرى تأسيس الجيش العراقي، كانت أغنية تتكلم عن بطولة القوات العسكرية، وقد ترأستها جملة كان علي قد كتبها "المهنة جندي بكل فخر، وقد نلت شرف اصابتي لأربع مرات"، بكيت بشدة حينها لأختمها بابتسامة، ان ولدي يتباهى بحبه لبلده، انه يفتخر بجراحاته التي اصابته من أجل وطنه، ما أقدس هذا الحب وما أقدس الحبيب!، اذ لم يجعلني هذا العشق الا أن اصل الى قناعة تامة، الا نهاية لهذا العشق، والشهادة هي أحد تعابير الابطال عن حبهم لبلدهم، لذلك ومن هذا المنبر أهنئ ولدي الشهيد علي في ذكرى تأسيس جيشه، وأقول له بكل فخر أنا أبو الشهيد".
 
من الماء الى السماء
اعتدنا أن نتعلم من ابائنا، فبعضنا يحاول أن يكتب شعراً ما أن يجد والده شاعراً، واخرى يتمنى ويسعى ليكون طبيباً كما والده في مساعدة المرضى، الا ان حيدر جاسم اللامي الضابط في طيران الجيش، قد خالف المعروف، رغم هدفه الذي كان يجمعه ووالده في حب الوطن والدفاع عنه، فأبو حيدر كان ضابطاً في القوة البحرية، اما حيدر فاختار السماء، ليكون الاول في رؤية من يهدد بلده، يحدثنا هذا الطائر المقدام ويقول : "لقد كانت أمنيتي أن أكون جزءا لا يتجزأ من منظومة حماة البلد، ومن حسن حظي أن يجعلني القدر احد حماة الوطن في سمائه، ولأن والدي رحمه الله احد الماسكين والمدافعين عن الوطن من خلال البحر، كان دوري في الافق انعكاسا لصور التضحية، التي أكملت ما بدأ به، فقد علمني كيف يجب ان نكون الدرع والسيف باختلاف المكان والزمان، وحتما سأخلد ذكراه بالعزم والقوة، التي توسدهما بي قبل رحيله، وكلي امل أن يبقى الجيش العراقي بكل أصنافه وتشكيلاته هو الحامي الأبدي عن العراق في كل زمن".