مصابو التأتأة..عندما تكون السخريَّة في تكرار كلامك

ريبورتاج 2021/01/09
...

 آية حسين 

قام الطالب كامل علي بإلقاء محاضرة امام مجموعة من زملائه بعد أن طلب الاستاذ منه ذلك، وعندما خاض بالشرح بدأت اصوات الضحك والكلام الجارح تنطلق من كل مقعد في المكان، كل ذلك لكونه يعاني التأتأة، فخرج من القاعة وعيناه تذرفان الدموع، و اقسم حينها بأنه سيحاول ايجاد علاج لما يعانيه، وان هذه المشكلة التي يعانيها في كل مفاصل حياته، لا بد من نهاية لها. 

 فكامل واحد من مئات الاشخاص الذين يعانون من التلعثم، فنجدهم اكثر عرضة للسخرية والاستهزاء بسبب عدم قدرتهم على الكلام ونطق الحروف بشكل صحيح، فأصبح التلعثم يشكل عائقاً كبيراً في مسيرتهم الدراسية وحياتهم اليومية بسبب قلة الوعي التي نجدها من بعض الاشخاص، اذ انعكس هذا الامر سلباً عليهم، ما جعلهم يفضلون الابتعاد عن الناس، لكي يتجنبوا العبارات الجارحة التي ترافقهم اينما ذهبوا ما يؤدي الى انسحابهم الاجتماعي والاتجاه للعزلة .
 
الكلام الجارح 
يمسح كامل دموعه قبل أن يراه احد ويحاول أن يتمالك اعصابه قدر المستطاع، اذ يقول : "منذ طفولتي اعاني التلعثم وهذه ليست المرة الاولى التي اتعرض فيها للكلام الجارح، مذ كنت طالباً بالمدرسة حتى الان، لكن ليس بوسعي عمل أي شيء غير الالتزام بالصمت امام الاشخاص، لكي لا اتعرض للاحراج . 
الابتعاد عن الناس  
يتظاهر محمد حسين (34 عاماً) بأنه ثقيل السمع واصبح الصمت رفيقه أينما حل، كل ذلك لكي لا يتعرض الى الكلام الجارح، هذه ما أخبرنا به في معرض حديثه اذ يقول : "بسبب الظروف المعيشية  ولكوني المعيل الوحيد لاسرتي بعد وفاة والدي الذي ورثت منه التأتأة، لم اتمكن من توفير المال للذهاب إلى الاطباء المختصين، ما شكل عائقاً كبيراً في اغلب علاقاتي الاجتماعية، فالتلعثم في العمل هو نقطة ضعف حسب ما يظنه الجميع ويتصرف على اساسه".
 
التحدي والإصرار 
تتبادل الشابة نور علي (25 عاماً) الاحاديث المتنوعة مع مجموعة من زميلاتها، فلم تمنعها صعوبة النطق التي تعاني منها من بناء جسور التواصل مع الناس، اذ تقول : "بدأ الامر حينما كنت أتأثر بالكلام الذي اسمعه من الطلاب في المدرسة، لكن بمرور الوقت، اصبح ذلك دافعاً لي للتفوق في الدراسة والحصول على الشهادة، وتمكنت من تجاوز الامر بفضل مساعدة والدتي ومساندتها لي، فجعلتني اتغلب على المعوقات، والحمد لله الآن متزوجة ولدي ثلاثة اولاد، لذلك اتمنى أن يسمعني كل من يعاني من هذه المشكلة، والا يتوقف عن المضي، والحياة لا يحددها الناس بل انت، واذا خلقك الله بهذا اللسان فقد كرمك بالعقل ايضا، لذلك استخدمه". 
 
مسببات التأتأة 
هناك نوع يظهر خلال مرحلة الطفولة وتختفي آثاره تدريجياً، بينما هناك نوع اخر والذي يعد اكثر شدة يستمر الى مرحلة البلوغ، كما تقول المختصة غيداء علي لتضيف : "الى الان لا توجد دراسة توضح السبب الاساس للتأتأة، لكن هناك العديد من الاسباب منها عامل الوراثة الذي له دور كبير في مشكلة التأتأة، اذ يحمل الشخص الجينات التي تجعله معرضاً للتأتأة أكثر من غيره، او قد تكون عضوية بسبب وجود عيوب أو مشكلات في أعضاء النطق او العامل النفسي او بسبب الرهاب أو الخوف الاجتماعي، أو حتى مجرد القلق الاجتماعي عندما يضطرب الإنسان عند تحدثه وبشكل مباشر مع بعض الناس 
حوله".
 
المشكلات النفسيَّة 
تترتب على التأتأة مشكلات نفسية مع مرور الوقت، فقد يؤدي استهزاء الآخرين وتوتر الأهل إلى التأثير بصورة سلبية في الشخص، وفي قدراته، ويرى الباحث والاكاديمي احمد عباس الذهبي: 
"أن هذه المشكلة تنشأ من التعرض في الطفولة لموقف مخيف جداً، تنتج عنه صدمة نفسية تستمر حتى فترة البلوغ ما يسبب لهم معوقات أثناء ممارسة حياتهم اليومية،  على الرغم من كونهم يتمتعون بالذكاء والذهن المتوقد والفهم العميق، ولكن ما لا نراه هو الصراع الداخلي والاحتراق النفسي ومشاعر الخوف والقلق والتوتر  ومواقف الإحراج المتكررة والانسحاب وضعف الثقة 
بالنفس".