رحيل ابتسام عبد الله خسارة مضاعفة

الأولى 2023/03/08
...

 كتب: رئيس التحرير

 

برحيل ابتسام عبد الله أمس، يغيب ملمح كبير من ملامح ثقافة العراق الأنيقة المعافاة التي شُوّهتْ لاحقاً على يد الديكتاتورية والعسكرتاريا ثم بلغت القاع زمن التفاهة الإلكترونية والابتذال المتسارع.

أطلّتْ على جمهور السبعينيات ببرنامج "سيرة وذكريات" والتقتْ من خلاله رموز الثقافة العراقية، وللآن أذكر الحلقة التي استضافتْ فيها الراحل علي الورديّ، كم كانتْ محاورة ذكية لمّاحة وعميقة، وكان يجلِّل وجهها الهدوء الذي يجبر من يكون قبالتها على أن يكون مثلها هادئاً مبتسماً.

أقارن تلك الإطلالة المحفورة في ذاكرتي عميقاً بالبرامج الحوارية التي تُصاغ اليوم حيث المحاور الناجح هو من يستفز ضيفه والمشاهدين، والنقاش الذي يجلب مشاهدات هو الذي تتطاير فيه التهم وقلّة اللياقة والزعيق على طاولة لا يسمع فيها أحد أحداً.

الراحلة قاصّة وروائية ولها عدّة كتب في السرد، وهي مترجمة أيضاً، وكانت ترجمتها لرواية كويتزي "في انتظار البرابرة" في غاية العذوبة.

عملها في الصحافة الثقافية كان مميزاً أوصلها إلى أن تترأس تحرير أبرز المجلات الثقافية آنذاك "مجلة الثقافة الأجنبية" .

منذ سنة تخرجها في 1964 عملتْ في تلفزيون العراق، مترجمة للأفلام أولاً ثمّ معدّة ومقدمة لبرنامجها الأشهر "سيرة وذكريات"، لكنّ وقتها اللاحق سيكرّس بمعظمه للصحافة المقروءة، حيث عملتْ في أبرز الصحف المحلية، ولم تتوقف عن العمل الصحفي إلا قبل سنوات عدّة بعد وفاة زوجها الكاتب أمير الحلو.

في كتابه "أعلام العراق في القرن العشرين" كتب حميد المطبعيّ عن ابتسام هذه الجملة الموحية "إنها قادرة على تحويل لحظات الذعر إلى طمأنينة". وكم كان على حقّ، ففي شخصها وملامح وجهها ونبرة صوتها ما ينشر السكينة في المحيط الذي تكون فيه.

الحوار المتّزِن ومثله الأناقة في القول والفعل، أصبحتْ عملات نادرة، وحين نخسر رمزاً من رموز تلك الثقافة التي صارت غريبة على أجيالنا الجديدة، فإنّ الخسران كبير.