مخلَّفات القنبلة الذريَّة تحدد العصر الجيولوجي الحالي

بانوراما 2023/08/01
...

  داميان كارينغتون
 ترجمة: مي اسماعيل
اختار علماء الأرض مخلفات القنبلة الذرية لتكون العامل الذي يحدد بداية العصر الجيولوجي الحالي، وهو العصر الذي ينظر إليه باعتباره الفترة التي كان النشاط البشري خلالها هو التأثير المهيمن على المناخ والبيئة. ومثل ارتفاع البلوتونيوم في رواسب البحيرات الكندية بدء فجر عصر جديد تهيمن فيه البشرية على الكوكب.
حدد العلماء موقعا لدراسة بدء الحقبة الجيولوجية الجديدة (حقبة الأنثروبوسين- "Anthropocene") على الأرض، وهو ما يمثل نهاية نحو 11700 عام من وجود بيئة عالمية مستقرة تطورت خلالها الحضارة الانسانية، وبداية عصر جديد تسيطر عليه النشاطات البشرية.

الموقع هو بحيرة غائرة في كندا، تتجمع فيها رواسب سنوية تظهر ارتفاعات مستدقة واضحة سببها التأثير الهائل للبشر على الكوكب منذ خمسينيات القرن الماضي فصاعدا.. من اختبارات قنابل البلوتونيوم والهيدروجين إلى الجزيئات الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري التي أمطرت الكرة الأرضية.
وبالمصادقة على الموقع من قبل العلماء المتابعين للجدول الزمني الجيولوجي، سيجري الاعلان رسميا عن حقبة الأنثروبوسين لتكون الحقبة الجيولوجية الجديدة في شهر آب سنة 2024. يقول الخبراء أن للقرار أهمية اجتماعية وسياسية إضافة للقيمة العلمية الكبيرة، لأنه سيكون شاهدا على "حجم وشدة عمليات تحول الكوكب التي أطلقتها البشرية الصناعية". تعتبر أزمة المناخ التأثير الأبرز وضوحا للأنثروبوسين، لكن الخسائر الهائلة للحياة البرية وانتشار أنواع المخلوقات الغازية وتلوث الكوكب بالبلاستيك والنترات هي أيضا معالم مهمة.

تحول كبير في الكوكب
تشكل الفريق البحثي للأنثروبوسين عام 2009، وتوصل عام 2016 إلى أن التغييرات التي أحدثها الإنسان في الأرض كانت من الضخامة بحيث أصبح تصور وحدة زمنية جيولوجية جديدة أمرا مسوغا. بعدها حللت وحدة العمل "AWG" تفصيليا عدة مواقع مرشحة حول العالم بحثا عما يسميه العلماء "التراكم الذهبي" أي- المكان الذي جرى فيه تسجيل التغييرات المفاجئة والعالمية التي تشير إلى بداية العصر الجديد بأفضل شكل في الطبقات الجيولوجية. شملت المواقع المرشحة الشعاب المرجانية الاستوائية في استراليا والولايات المتحدة، ومستنقع للخث (= النباتات المتفسخة. المترجمة) الجبلي في بولندا، وصفائح الجليد القطبي، وحتى تراكم الحطام البشري تحت مدينة فيينا. لكن الاختيار وقع (بعد عدة جولات للتصويت ضمن AWG) على بحيرة كرافورد قرب تورينتو بكندا.
تقول البروفيسورة "فرانسيس مكارثي" عالمة الجيولوجيا بجامعة بروك- كندا: "هناك أدلة دامغة على الصعيد العالمي على حدوث تحول هائل، وصولا لنقطة تغيير في نظام كوكب الأرض. وبحيرة كرافورد متميزة لكونها تسمح لنا بملاحظة التراكم السنوي للتغيرات في تاريخ الأرض".
تشكلت البحيرة في حفرة غائرة من الحجر الجيري بعمق 24 مترا، وبمساحة هكتارين ونصف هكتار مربع فقط. وهذا الشكل الاستطالي يعني أن مياه القعر لا تمتزج مع مياه السطح، الأمر الذي من شأنه أن يربك الطبقات الموجودة في الرواسب. تمضي مكارثي قائلة: "قاع البحيرة معزول تماما عن باقي أجزاء الكوكب، باستثناء ما يغرق بلطف إلى القاع ليغوص في تراكمات الرواسب".
اختار الفريق نظائر البلوتونيوم الناتجة عن اختبارات القنبلة الهيدروجينية لتكون المؤشر الاساس لعصر الأنثروبوسين، لأنها انتشرت عالميا منذ عام 1952 ثم تناقصت سريعا بعد معاهدة حظر الاختبارات النووية أواسط الستينيات، مما شكل ارتفاعا في التراكم، كما يوضح البروفيسور "أندرو كندي"، عالم الكيمياء الإشعاعية البيئية بجامعة ساوثهامبتون وعضو فريق البحث: "وجود البلوتونيوم يعطينا مؤشرا صارخا عن وقت تحول البشرية إلى قوة مهيمنة بحيث صار بإمكانها ترك مثل تلك
"البصمة" العالمية على كوكبنا".
هناك مؤشرات مهمة أخرى في رواسب البحيرة، منها- جزيئات الكربون الكروية الناجمة عن حرق الوقود الاحفوري لتوليد الطاقة والنترات المتخلفة من الاستخدام الواسع للأسمدة الكيمياوية، كما تؤكد مكارثي: "لدينا تصاعد دراماتيكي في تركيزات الرواسب، وبالضبط على ذات العمق الذي رأينا فيه الارتفاع السريع لوجود البلوتونيوم".

نقطة مرجعية عامة
شهد عقد الخمسينيات بداية "التسارع الكبير"، أي- الزيادة غير المسبوقة بالنشاط  الصناعي والنقل والاقتصاد التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت حتى اليوم. وهو ما تصفه مكارثي قائلة: "انه التسارع الكبير الذي قررنا أن نتخذه كنقطة تحول رئيسية في تاريخ الأرض. لكننا اخترنا الزيادة الكبيرة في ركام البلوتونيوم 239 على وجه التحديد ليكون مؤشر ذلك التسارع".
يرى البروفيسور "يورغن رين" مدير معهد ماكس بلانك لتاريخ العلوم ببرلين أن.. "مفهوم الأنثروبوسين تلقى الآن ترسيخا وتعريفا دقيقا للغاية عن طبقات الصخور، ليكون مرجعا للنقاشات العلمية. كما وفر جسرا بين العلوم الطبيعية والانسانية، لأنه يتعلق بالبشر. نحن نتطلع هنا إلى أمر سيُشكّل مصير الانسانية، لذا فمن المهم جدا أن يكون له نقطة مرجعية عامة". قد يكون اتخاذ هذا القرار صعبا على الجيولوجيين، الذين اعتادوا التعامل مع حقب زمنية تمتد ملايين السنين وباستخدام الصخور والأحافير كنقاط مرجعية. لكن فريق البحث "AWG" سيقدم ملفا متكاملا إلى الجهات الاكاديمية المصوتة على الدراسة لإثبات أن الأنثروبوسين يمثل فعليا تغيرا في الكوكب يتطلب إعلان بدء حقبة جيولوجية
جديدة.
يقول البروفيسور "كولين والترز" من جامعة ليستر ورئيس فريق البحث: "تمثل حقبة الأنثروبوسين التي بدأت في خمسينات القرن الماضي تغيرا سريعا جدا تسبب به الإنسان للكوكب. وهناك أمل في هذا الموقف، فالتأثيرات المتراكبة للإنسانية يمكن أن تتغير سريعا، سواء للأفضل أو للأسوأ. وليس من المحتّم أن ننحدر نحو العوز المناخي
المستمر".
 صحيفة الغارديان البريطانية