رغم إصابتها بالصَّمم.. ستينيَّةٌ تغامر وتكتشف مجتمعاً جديداً

بانوراما 2023/08/01
...

 بولا كوكوزا
 ترجمة: فجر محمد


فقدت بربارا ايرث عندما بلغت الستين عاما سمعها تماما، شعرت كما لو أنها كانت تعوم ولا شيء حولها مستقر. ولكن لغة الإشارة وزملاءها الصم انتقلوا بها إلى مسار غير متوقع. جرحت بربارا نفسها عندما كانت في الرابعة من عمرها، وهي تلهو في قبو منزلها. بقي الحدث مطبوعا في ذاكرتها بالإضافة إلى الجرح الذي أصيبت به آنذاك، إذ كان عليها أن تصرخ بأعلى صوت كي تسمعها أمها التي كانت صماء.
فقد خسرت والدتها السمع بمرور الأعوام ولذلك نشأت بربارا وهي تتوقع أن يحدث لها ذات الشيء، وتقول: "شاهدت تجربة أمي، وهي تعاني الكثير من الخسارة والألم، ولكني قررت أن لا أخوض التجربة ذاتها."
استعدت هذه السيدة، وهي استاذة جامعية طيلة أيام حياتها للصمم المحتمل إصابتها به مستقبلا.
كانت تبلغ 27 عاما عندما أوضح فحص التصوير المقطعي، إصابتها بفقدان السمع ولكن بشكل تدريجي.
لم يكن من السهل عليها أن تحدد متى فقدت الحاسة تحديدا. فقد استغرقها العمل والرحلات إلى 33 بلدا حول العالم.
وقامت بالتدريس وهي في سن الخمسين بجامعة تايلندية ولكنها كانت تواجه صعوبة في سماع أسئلة الطلبة، بل أصبح الأمر بعد ذلك مستحيلا. إذ  أصبح عليها أن تبذل جهدا أكبر في حياتها.
لقد قررت بربارا انها اذا ما أرادت أن تتجنب الألم والوحدة اللذين شهدتهما أمها، فإن عليها أن تقوم بعمل ما. ولهذا انتقلت من تايلند إلى هاواي لتعلم لغة التحدث بالإشارة الاميركية ((ASL. واليوم، وعبر لقاء فيديوي، ترجمه أحد زملاء مهنتها الجديدة في معهد روتشستر، أثناء حفلة عيد ميلادها الستين، تبين بربارا مدى صعوبة هذه اللغة، مقارنة مع اللغة السواحلية التي تعلمتها عندما كانت تعمل في نيجيريا خلال الأربعين من عمرها. (يضم معهد روتشتر جامعة بحثية في ولاية نيويورك مع كليات اكاديمية من بينها المعهد التقني للصم- المترجمة).
وتضيف هذه السيدة: "هناك اختلاف هائل في لغة الإشارة بالنسبة لشخص أصم منذ الولادة، فأنا لا امتلك تلك الروابط التي تبدأ من دماغي مرورا بيدي إلى عيني.
وتتابع: "إن أبجدية الهجاء الاصبعي أمر صعب. لأن حركة اليد دقيقة جدا وأحيانا لا استطيع اِتقانها".
ومع المضي قدما في تعلم لغة جديدة، أمضت بربارا العقد الماضي من حياتها في الاندماج مع مجتمع الصم.
وبعد انهائها فصلا في تعلم لغة الإشارة، أصبحت طالبة دراسات عليا في جامعة كالوديت بواشنطن التي تتبع نهجا ثنائي اللغة في التعلم، ثم عكفت على دراسة تاريخ الصم في هاواي.
ذات مرة، زارت إمرأة صماء منزل بربارا في هاواي، وكانت تبكي بمرارة لعدم وجود من يعرف لغة الإشارة في محيطها، ما جعل بربارا تدرك انها يجب أن تكون بجوار هؤلاء الأشخاص وتساعدهم.
لقد نعمت بربارا ولفترة طويلة، منذ سن الخمسين، بامكانية سماع بعض الأصوات بترددات منخفضة ومشوشة حتى وإن كانت بلا معنى. وبعد ذلك فقدت تلك القدرة على السماع أيضا، ما أصابها بالذعر، اذ تصف ما حدث لها: "شعرت بأن أذني قد أغلقت وللمرة الاخيرة. ولم يعد هناك أي صوت يحيط بي.. أحسست وكأنني أعوم ولا يوجد اي شيء مستقر بجواري".
وفي العام الماضي، قررت بربارا البدء بحياة جديدة.
فقد كانت هي الإمرأة الصماء الوحيدة في مدينة أثينا ضمن ولاية أوهايو، فشعرت بالوحدة التامة. وقد اعتنت بوالدها لخمسة أعوام رغم التحديات التي واجهتها في كيفية التواصل مع المتخصصين بالرعاية آنذاك.
وعندما توفي والدها بعمر 99 عاما، تقدمت بطلب إلى المعهد الفني الوطني للصم إذ بدأت دراسة ما بعد الدكتوراه في تجارب تتعلق بالصحة الانجابية.
جميع زملاء بربارا في المعهد من الصم، يستخدمون لغة الإشارة الاميركية، وأصبح ذلك بمثابة حياة ثانية لها، فهي تتعلم أكثر وتستخدم اللغة بشكل أوسع، وهي تحرز تقدما كما تقول. ووجهة نظرها أنك إذا لم تتعلم لغة الإشارة وتستخدمها في طفولتك وتكبر معها، فسيكون من الطبيعي ان تشعر بالغربة، غير إن الوضع في هذا المكان (المعهد الوطني للصم) مختلف، لأن كل شخص مختلف عن الآخر وهم يقدّرون هذا التنوع كثيرا".
تقبلت بربارا التحديات دائما، وكانت تندفع نحو المغامرات. ففي طفولتها كانت تمتلك مجسما للكرة الأرضية، وكانت تقوم بتدويرها، وتحاول تخيل المكان الذي وقع عليه إصبعها.
ومع هذا فقد دفعها تصميمها إلى الاستعداد لما ينتظرها من عقبات مستقبلية.
وقالت إن معرفتها بإصابتها بالصمم لاحقا منعها من الزواج. لكنها ارتبطت بعد ذلك وانتقلت إلى هاواي، مع علمها أن هذه العلاقة ستنتهي بالتأكيد، وهذا ما وصفته بالامر المؤلم. كما ان علاقتها الطويلة مع أصدقائها الأصحاء لم تعد كما في السابق، لأنهم يسكنون عوالم حسية مختلفة، كما إن اهتماماتهم الاجتماعية تختلف عن اهتماماتها.
لدى بربارا الآن ابنة واحدة فقط وحفيدان، فضلا عن كلب اسمه "لوفي"، وهو يسترق السمع من أجلها، وينبهها عندما يصدر جهاز المايكرويف صوتا، أو عندما تتلقى رسالة على بريدها الصوتي عبر هاتفها.
التعلم بالنسبة لبربارا هو مشروع مستمر، وهي تحث الجميع على المغامرة، لأنها ترى أن أسوأ ما قد يحصل بالنسبة لشخص ما، هو إما أن يعود أدراجه متخلفا، أو يبدأ بشيء جديد.

عن صحيفة الغارديان البريطانية