علاقات بولندا وأوكرانيا عند أدنى مستوى

بانوراما 2023/08/24
...

 ديفد ستيرن ولوفداي موريس

 ترجمة: بهاء سلمان                

منذ بدء الهجوم الروسي الكامل النطاق، كانت بولندا من ضمن الداعمين الحقيقيين لأوكرانيا، مقدمة المساعدات العسكريَّة والاقتصاديَّة، ومحتضنة ملايين اللاجئين الأوكرانيين الهاربين من شظايا القصف المتواصل، ومدافعة عن موقف كييف في المحافل الدولية، ومحولة أراضيها إلى ممر رئيسي لشحنات السلاح الغربية المتجهة للخطوط الأمامية للجبهة الأوكرانية. لكن حتى بين أقرب الأصدقاء، من الممكن أن تثار خلافات خطيرة؛ ففي الاسابيع القليلة الماضية نشب خلاف بين المسؤولين البولنديين والاكرانيين، بعدما قال "مارسين برزيداتش"، مستشار السياسة الخارجية للرئيس البولندي "اندجي دودا"، بأن على أوكرانيا "البدء بتقدير الدور الذي لعبته بولندا لصالح أوكرانيا خلال الشهور والأعوام الماضية.
" كانت إشاراته بمثابة رد على الخلاف المتزايد بين كييف ووارشو حول صادرات الحبوب الأوكرانية إلى بولندا، حيث وصف رئيس الوزراء الاوكراني "دنيس شميكال" تصرفات بولندا بكونها "غير ودية 

وشعبوية".

ووفقا لاتفاق كان الإتحاد الاوروبي وسيطا فيه، يسمح لبولندا وأربع دول أخرى مجاورة حظر صادرات الحبوب الاوكرانية لحماية مزارعيها المحليين، لكنه يسمح بعبور الحبوب إلى أراضيها لتصل إلى دول أخرى. ومن المفروض أن تنتهي مدة الاتفاقية بحلول الخامس عشر من شهر أيلول المقبل، بيد أنّ بريزادتش والمسؤولين البولنديين الآخرين طالبوا بتمديد الحظر.

"لقد حظت اوكرانيا حقا بالكثير من الدعم من جانب بولندا،" بحسب وصف بريزاديتش خلال مقابلة له مع محطة الاذاعة البولندية أواخر تموز الماضي، وأضاف: "أن الأمر الأكثر أهمية اليوم هو الدفاع عن مصالح المزارع البولندي."

وتعد مبيعات الحبوب أمرا عصيبا، إن لم يكن وجوديا، بالنسبة إلى كييف بعدما أقدمت روسيا على قصف الموانئ الاوكرانية الواقعة على البحر الأسود طيلة شهر تموز الماضي، قاطعة بذلك طرق التصدير الرئيسية إلى الأسواق العالمية.

واستدعت وزارة الخارجية الاوكرانية السفير البولندي "بارتوش تشيتسكي" لغرض المداولة في الأول من آب الحالي، بعد تعليقات بريزادتش. وبحلول صباح اليوم التالي، استدعى المسؤولون البولنديون السفير الاوكراني "فاسيل زفاريتش" للغرض نفسه. وعلى أثر تلك التحركات علق نائب وزير الخارجية البولندي "بافل جابلونيسكي" للإذاعة البولندية بالقول أنّ العلاقات مع أوكرانيا في اللحظة الحالية "ليست هي الأفضل"، مضيفا "أن على أوكرانيا عدم الاعتداء على حلفائها."


توازنات سياسية

لا يبدو أن تعليقات بريزادتش، والمناقشات المتبادلة بين العاصمتين، تمثل تهديدا لعلاقات أوكرانيا الوثيقة مع بولندا، والتي ترجع إلى بداية استقلال أوكرانيا. غير إن الخلاف يؤكد أيضا على السلوك المتوازن والصعب والدقيق في الوقت نفسه الذي تواجهه أوكرانيا عبر سعيها لتأمين احتياجاتها الملحّة بالتعاون مع بلدان الجوار والداعمين لها، وهم حلفاء تعتمد عليهم كييف حاليا لكي تتمكن من البقاء على نفس المستوى من المواجهة، وبشكل بالغ الشدة، في الوقت الذي تحاول فيه تحجيم أي خلافات رأي ربما تتمكن موسكو من 

استغلالها.

ويلفت الخلاف الانتباه أيضا إلى حالة الانهاك والأعصاب المرهقة لدى الأوكرانية مع بلوغ الغزو الروسي شهره الثامن عشر، تاركة بعض المراقبين وسط حالة من الترقب لجمود الوضع العسكري والسياسي الراهن. يقول "تيموفي ميلوفانوف"، عميد كلية كييف للاقتصاد: "أنا قلق حيال هذا الموقف لأنه، وكما تعلمون، فإن التاريخ لا يمثل أمرا محددا بشكل مسبق؛ ذلك أن تصرفات الأفراد، وخصوصا القادة السياسيين، لها أثرها الكبير، وأنا اعتقد أنّ الأخطاء يمكن أن تقع، وإذا ما ارتكبت الأخطاء، فسيكون هناك تصدع في العلاقات بين بولندا واوكرانيا." 

لغاية الآن، تمكّن كل من الرئيس الاواكراني "فلوديمير زيلينسكي" وكبار المسؤولين البولنديين من اخماد أية حالات خلافية بين بلديهما، وبضمنها ما تمخض من حادثة وقعت خلال العام الماضي عندما سقط صاروخ اوكراني مضاد للطائرات بشكل واضح داخل الأراضي البولندية، وقتل إثنين من المواطنين البولنديين.

وفي رد على خلاف الحبوب، كتب الرئيس زيلينسكي على موقع تويتر، قائلا بأن "اللحظات السياسية" لا ينبغي لها افساد العلاقات بين البلدين، كما إن "المشاعر يجب أن تهدأ بكل تأكيد". 

فيما شدد أيضا على أن اوكرانيا تقدّر بشكل كبير "الدعم التاريخي لبولندا، ومن خلال التعاون المشترك معها سوية صرنا درعا حقيقيا لأوروبا، ولن يكون هناك أي تصدع في هذا الدرع." لكن هناك احتمالات بحصول بعض التصدعات، إذا ما علمنا أن بولندا كانت في الماضي تقع تحت سيطرتها أجزاء كبيرة من أوكرانيا، إضافة إلى أن البلدين لديهما تاريخ معقّد، ومرير 

أحيانا.


تقدير مشاعر متبادل

في تموز الماضي، أحيا كل من الرئيسين الذكرى السنوية الثمانين لأحداث الحرب العالمية الثانية، حيث كان أفراد ينتمون إلى وحدات المقاومة الاوكرانية يقاتلون من أجل تأسيس دولة أوكرانية مستقلة، وقاموا بشن هجوم عنيف على القرى البولندية في منطقة فولين، الواقعة غرب اوكرانيا حاليا، وقتلوا عشرات الآلاف من 

المدنيين.

وانضم زيلينسكي إلى دودا خلال أداء طقوس دينية إقيمت في مدينة لوتسك الواقعة غربي اوكرانيا لاستذكار تلك الأحداث، في إشارة لمصالحة بين البلدين لاقت ثناء كبيرا من قبل المسؤولين البولنديين. 

ومع ذلك، فإن الروايات الشعبية المتداولة لدى كلا البلدين لا تزال تختلف بشكل هائل عما حدث قبل ثمانين عاما، فالبولنديون يطلقون عبارة "مجزرة فولين" عند وصفهم لما جرى هناك، ويقولون أنها كانت جزءا من جهود أكبر من قبل القوات الاوكرانية لتطهير المنطقة من ذوي العرق البولندي. أما القوميون الاوكرانيون فيقولون بأنّ الأحداث كانت نتيجة لصراع متواصل كان يجري بين البولنديين والاوكرانيين 

آنذاك.

وغرّد كل من زيلنسكي ودودا سوية على موقع تويتر بالقول أنهما يقدمان احتراما "لجميع الضحايا الأبرياء" الذين سقطوا خلال حادثة فولين. لكن من خلال انعكاس محتمل للخلافات بين بلديهما، كتب دودا منفردا بأنه قد أنضم إلى زيلنسكي "من أجل تقديم التحيّة للقتلى البولنديين."

وتعتبر أحداث فولين أمرا مهما جدا بالنسبة إلى أقلية صغيرة، لكن لها أهميتها بالنسبة لأصوات الانتخابات، المتمثلة بمجاميع القوميين واليمين المتطرّف في بولندا. وأصدرت منافذ الأخبار الأوكرانية خلال تموز الماضي عناوين أخبار تقول إن جماهير مباراة لكرة القدم أقيمت في مدينة روكلو البولندية رفعوا رايات مكتوب عليها "الاوكرانيون قتلوا الأطفال في فولين"، وعبارة أخرى تقول: "ثمانون عاما من الصمت المخزي على فولين." 


ماض مؤلم

"هناك مسألتان حساستان بين بولندا وأوكرانيا. الأولى هي التاريخ، وهي تمثل مشكلة قديمة طالت لسنين" بحسب وصف "فويتشخ كونونتشوك"، مدير المركز الحكومي البولندي لتمويل الدراسات الشرقية، ويضيف: "النقطة الخلافية الأخرى هي قضية الحبوب الاوكرانية الحالية." ومع كون المزارعين يمثلون قاعدة تصويت رئيسية لحزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا، صارت قضية الحبوب على وجه الخصوص نقطة لإثارة الخلافات داخل الحكومة، التي تواجه خوض الانتخابات العامة هذا الخريف.

من جانبه، شن حزب الإتحاد الليبرالي، وهو حزب يميني متطرّف، أيضا حملة ضد ما يطلق عليه "أكرنة بولندا". وتشير أرقام الاقتراع إلى أنّه من الممكن أن ينتهي الأمر بأن يلعب الحزب اليميني المتطرّف دور صانع الملوك بعد انتهاء انتخابات منتصف تشرين الأول، مثيرا مخاوف من أن اعضاءه ربما سيسعون إلى تقليص الدعم البولندي لكييف.

ويقول كونونتشوك بأنه كان هناك "بعض الخطوات والقرارات النابعة من التعاطف" من قبل المسؤولين الاوكرانين والبولنديين؛ مشيرا إلى أنّ استدعاء السفير البولندي في كييف إلى وزارة الخارجية الاوكرانية قد قوبل بالاستغراب من قبل وارشو، خصوصا أن تشيتسكي كان من ضمن عدد قليل جدا من السفراء الذين بقوا في كييف خلال الحصار الروسي الحالي، ويمثل أحد أقوى صانعي السياسة الخارجية لاوكرانيا. غير إن "التعاطف بين البولنديين والاوكرانيين هو حاليا عند مستوى غير مسبوق،" كما يقول كونونتشوك، يساعدها "التصوّر المشترك للتهديدات الأمنية" المفروضة من قبل روسيا.

ومع ذلك، لا يزال خلاف الحبوب على حاله ضمن مستوى المراوحة المستمرة، حيث يصر وزير الزراعة الأوكراني، "ميكولا سوليسكي"، على أن التقييدات على الواردات الأوكرانية إلى الدول المجاورة ينبغي أن ترفع بأسرع وقت ممكن. "ماذا ستكون العواقب إن لم يتمكن المزارعون الاوكرانيون من البقاء على قيد الحياة هذا العام؟" طرح سوليسكي هذا السؤال خلال مقابلة صحفية، وأضاف: "أن هذا مثل وضعا استثنائيا، حتى خلال مرحلة الانتخابات 

المقبلة."


تعاون أوروبي

لقد تراخى الإتحاد الاوروبي بتطبيق التشريعات الخاصة بالصادرات الزراعية الاوكرانية مع بداية الغزو الروسي، وذلك لأجل مساعدة الاقتصاد الاوكراني لمواجهة ظروف الحرب، حيث تمثل الزراعة قطاعا رئيسيا للبلاد، وساعد هذا التراخي على تدفق صادرات الحبوب الأوكرانية إلى الدول المجاورة للبلاد من دون محاسبة 

كمركية.

ومع ذلك، وفي رد على القفزات المتوالية في الواردات، وبالتزامن مع انخفاض أسعار الحبوب على مستوى العالم، سمح الإتحاد الاوروبي خلال شهر آيار الماضي لكل من بولندا وبلغاريا وهنغاريا ورومانيا وسلوفاكيا بحظر المبيعات الداخلية للحنطة والذرة وبذور اللفت وبذور زهرة الشمس الاوكرانية، مع السماح لهذه المحاصيل بنفس الوقت بالمرور إلى الدول الأخرى. ومع ذلك، وبالنسبة للمنتجين الاوكرانيين، فان التصدير برا إلى دول أبعد من دول الجوار من المنتمية إلى الاتحاد الاوروبي يعمل على رفع تكاليف النقل بشكل 

حاد.

ويعتقد سوليسكي جازما بأن القرار الأخير لروسيا بإيقاف الإتفاق الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ليسمح بنقل شحنات الحبوب من موانئ البحر الأسود كان قد إستحدث من خلال قرار حظر الصادرات الاوكرانية إلى دول الجوار، الأمر الذي منح الكرملين نقطة ضغط إضافية مهمة لاستخدامها لكي تزيد من محاصرة الاقتصاد الاوكراني.

وفي هذا الشأن يوضح وزير الزراعة الأوركراني بالقول: "نحن جميعا نفهم أن الأمر الأفضل بالنسبة لنا هو نقل المنتجات عبر البحر، وهو الأمر الأكثر ملائمة لجيراننا، لكن على جيراننا أن يستوعبوا بأنّ الخطوة الأولى للنقل بحرا تكمن في رفع الحظر الذي فرضوه."

مع ذلك، قال سوليسكي بأنه لا يشعر بالقلق حيال التوترات التي أوجدها الخلاف مع بولندا، لأنه "لا يوجد هناك أصدقاء حقيقيون وشركاء حقيقيون بلا نقاش."

ويختتم وزير الزراعة الأوكراني كلامه بالقول: "لنأخذ مثالا على أفضل اصدقائنا، فإذا توقف بيننا تبادل للآراء خلال شهرين أو ثلاثة أشهر، فسيبدو أن هناك شيئا مفقودا حتما بين الطرفين الجارين."


صحيفة واشنطن بوست الأميركية