استعادة الهوية الأصلية لكاليفورنيا

بانوراما 2023/08/27
...

 إيد فوليامي
 ترجمة: مي اسماعيل

في ربيع العام 2022، ولأول مرة بعد انتهاء عزلة جائحة كورونا، اجتمع شيوخ وزعماء وأعضاء القبائل الأصلية في ولاية كاليفورنيا الأميركية حضوريا كأول تجمع للأفراد تحت شعار "مجلس كاليفورنيا للحقيقة والتعافي" بطلب من حاكم الولاية "غافن نيوسوم". وكان الهدف هو جمع الشهادات وإعداد سرد نهائي لحياة الهنود الحمر في كاليفورنيا: عن تاريخهم وفنائهم شبه التام، والمقاومة والبقاء على قيد الحياة، وتقديم مقترحات للرؤية، والاعتراف بالإبادة، والتعويض، وعدالة المصالحة. لم تكن الإبادة الجماعية لسكان أميركا الأصليين أكثر وحشية ومنهجية مما كانت عليه في كاليفورنيا، إذ لم تكن هناك، وفي أي مكان، نية أكثر صراحة "للإبادة" (وهي كلمة استخدمت مرارا وتكرارا في سجلات الدولة) لسكان أرض يفترض أنهم "تم اكتشافهم".

وفي ذات الوقت ازدهرت سوق وحشية لبيع الهنود بوصفهم من العبيد في كاليفورنيا، حينما كانت الجهود مستمرة لانهاء العبودية في الجنوب.
كان اجتماع القبائل أول مبادرة من نوعها على صعيد الولاية لمواجهة مآسي التاريخ رسميا، واستعادة مسيرة أولئك الذين قاتلوا ونجوا وعاشوا واستمروا.
وكان حاكم الولاية قد أعلن عن الاجتماع في أواسط عام 2019 عند ملتقى نهري أمريكا وساكرامنتو في ضواحي عاصمة الولاية، وهو موقع مخصص لمركز التراث الهندي في كاليفورنيا مستقبلا.
قال نيوسوم: "يجب على كاليفورنيا الاعتراف بتاريخنا المظلم، فسكانها الأصليون عانوا من العنف والتمييز والاستغلال الذي أقرت به حكومة الولاية طوال تاريخها.
وهذا ما يُدعى بالإبادة الجماعية، وما من طريقة أخرى لوصف الأمر غير ذلك، وكما يجب ذكره في كتب التاريخ.
لا يمكننا إزالة المظالم التي وقعت على سكان الأرض الأوائل والتي أصبحنا نطلق عليها الآن اسم كاليفورنيا، ولكن يمكننا العمل معا لبناء جسور واعلان حقيقة ماضينا والبدء بمعالجة الجروح".

اعتذار {مخفي}
في مركز التحرُّك نجد {كرستينا سنايدر}، محامية من هنود "بومو" عينها الحاكم السابق عام 2018 مستشارة للشؤون القبلية، والمكلفة بترتيب انعقاد المجلس واستلام تقريره النهائي بداية عام 2025.
أصبحت سنايدر في العام الماضي أول سكرتيرة للشؤون القبلية وعلى رأس مكتب الحاكم الجديد للشؤون القبلية في كاليفورنيا.
تستذكر سنايدر كيف أقرت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق أوباما مشروع قانون الإنفاق الدفاعي لعام 2009، والذي تضمن اعتذارا عن "السياسات السابقة غير المدروسة من قبل حكومة الولايات المتحدة تجاه السكان الأصليين لهذه الأرض"، قائلة: "لكنه ((اعتذار)) كان مختبئا خلف قانون الإنفاق، ولم يكن هناك عرضٌ للفقرات أمام الجمهور، فيما كان الحاكم نيوسوم يأمل رفع صوت الاعلان إلى مستوى  عال".
لكن سنايدر تُحذُر من أن الاعتذار دون إجراءات تصحيحية لا يساوي الورق الذي كُتِبَ عليه، وأن عليهم النظر إلى ما يترتب على الأمر: ميكانيكيات للشراكة الفاعلة مع القبائل والعدالة التصالحية وإجراءات سياسة الدولة
والميزانية.
تقول سنايدر: "كاليفورنيا من أعقد الأماكن لإجراءات الاصلاح، فالهنود الحمر هنا هم الأقل ظهورا، والاراضي القبلية قليلة جدا.
"الظهور" كلمة تتكرر مرارا عند الحديث عن الهنود الحمر، لكن هنود كاليفورنيا هم الأقل ظهورا من قبائل أخرى، ولقبائلهم أسماء (مثل: تشوماش، ميوك، بومو) هي أقل شهرة من "أباتشي" أو "نافاجو" أو "لاكوتا".
تضم كاليفورنيا عددا من السكان الأصليين يفوق باقي الولايات (نحو 630 ألفا وفق احصاء العام 2022)، لكن غالبيتهم من نافاجو أو لاكوتا أو شيروكي، وليسوا من قبائل كاليفورنيا".
وصل الغالبية من هؤلاء خلال فترات إعادة التوطين القسري إبان الحرب العالمية الثانية.
لذا، كما تستطرد سنايدر: "إذا اردنا انجاز شيء هنا سيكون أسهل للجميع، وسنؤسس لسابقة تاريخية..".

نزع الصفة الانسانية
قبل "الاتصال" مع الاقوام غير الأصلية (أولا الاسبان ثم المكسيكيين، والروس وأخيرا- الأنكلو- أميركان) كانت الأرض المسماة اليوم "كاليفورنيا" من الأماكن الأكثر تنوعا، فيها نحو ثلاثمئة ألف شخص ينتمون لنحو مئة قبيلة مترابطة ويتحدثون نحو ذلك العدد من اللغات واللهجات، ربما كان نحو سبعين بالمئة منها غير مفهومة بشكل متبادل.
قاد انتصار الولايات المتحدة على المكسيك في العام 1848 واستحداث ولاية كاليفورنيا بعد سنتين من ذلك التاريخ، إلى انهاء الفترة القصيرة من الحكم المكسيكي، التي سبقها نظام البعثة الاستعمارية الاسبانية، وكلاهما فرض نظام السُخرة الدموي على القبائل الأصلية.
أما النظم البيئية التي تعايش الناس معها ورعوها لآلاف السنين فقد تعطلت، ثم أصابها الهلاك.
تقف أدبيات التراث لهنود كاليفورنيا على النقيض من الصورة المتعارفة عن "حمى الذهب" و"المستوطنين الأوائل" الذين جاءوا "لاستكشاف" المزارع والمناجم "وايصال الحضارة" إلى الغرب.
ومن النصوص الأولى المساندة لحقوق الهنود رواية من تأليف "هيلين هانت جاكسون" بعنوان "رامونا" صدرت في العام 1884، والتي تحدت استحواذ البيض على الأرض.
أما "جون كوليير" الذي شغل منصب المفوض الأميركي للشؤون الهندية من العام 1933 وحتى 1945 فقد حاولت تقاريره توجيه اهتمام الحكومة إلى ما كان يطلق عليه "التهجير السريع" للسكان من هنود كاليفورنيا، وأنهم "محرومون تماما من حقوق الأرض ويعاملون كحيوانات برية ويقتلون فور رؤيتهم.. وكانوا يخضعون للاستعباد ويساقون للعمل حتى الموت.. وإن حياتهم محظورة ووجودهم مدان بالكامل".  
كما جمع المؤرخ "روبرت هايزر" (المختص بتاريخ كاليفورنيا) معلومات كثيرة منذ أواسط القرن التاسع عشر وقام بنشرها في مجلد "تدمير هنود كاليفورنيا".
ونقل هايزر أول تشريع من حكومة الولاية في العام 1850 بعنوان "قانون الحكومة وحماية الهنود" الذي أجاز "فرض التلمذة" على .."أي قاصر هندي يجلبه "الأهل أو الأصدقاء" أمام قاضٍ، واعتقال.. "أي هندي وجد يتحرك هنا وهناك أو يعيش حياة "لا أخلاقية" (حسب وصف البيض لنمط حياة الهنود) وأحضاره أمام القاضي ثم عرضه "للإيجار لصاحب أعلى سعر".
وبالمقابل نص القانون على أنه.. "لا يمكن تحت أي ظرف إدانة الشخص الابيض بأية مخالفة بناء على شهادة هندي".
وسمح تشريع العام 1860 باقتناء أطفال هنود شرط الوقوف أمام القاضي وإثبات الأهلية، وسمح بالحصول على هنود بأي عمر اذا كانوا لا يملكون ما اسماه القانون: "مستوطنة ثابتة أو وسيلة للعيش".  
واذا كان القهر والاستعباد الفعال من سياسات الدولة، فكذلك كان التدمير، إذ نقل هايزر بيانات لجنود أميركان أبلغوا رؤساءهم عن عمليات قتل لهنود مدنيين عزل في أغلب الأحيان.
ووصف النقيب "ناثانيال ليون" مذبحة نحو 150 هنديا من قبيلة "بومو" معظمهم من النساء والأطفال في منطقة "كلير ليك" خلال شهر آذار من العام 1850 بأنها "جولة مثالية
للذبح".
كما جرى استئجار أشخاص في العام 1859 "لصيد الهنود" لقاء مكافأة مالية وغيرها من الأمثلة التاريخية.
نشر الباحث "جيمس رويلز" سنة 1984 كتابا عنوانه "هنود كاليفورنيا"، وجاء فيه أن "بيع وشراء الهنود كان ابتكارا اميركيا"، وأن المقارنة بين ذلك العمل وبين التعامل مع العبيد الأفارقة في الجنوب كانت ذات تشابه كبير.
وأوضح رويلز أن "من المظاهر التي كانت شائعة آنذاك كتجارة هي خطف النساء والفتيات الهنديات واحتجازهن للاستعباد الجنسي".
وجاء في مناشدة لبيان صدر في العام 1851 انه بينما يُخطف الأطفال لكي يتم استغلالهم كخدم، فان النساء يختطفن غالبا ليكنّ "خادمات أو للحاجة الجنسية".
تطرق رويلز أيضا إلى نزع مجتمع البيض الصفة الإنسانية عن الهنود، فقد كتب إنهم كانوا عقبة في طريق التقدم الأميركي، وإنهم سيختفون في نهاية المطاف، كنتيجة "للمسيرة الحتمية لتقدم الحضارة البيضاء".
وأعطى لاكتشاف الذهب عام 1848 لمثل تلك الآراء ضرورة مادية ملحّة.

استعادة التاريخ
جمع كتاب "نحن الأرض: تاريخ سكان كاليفورنيا الأصليين" بقلم "دامون أكينز" و"ويليام باور جونيور" (وهذا الاخير عضو مجلس "محمية القبائل الهندية في الوادي المستدير" ومؤلف كتاب "كاليفورنيا عبر عيون السكان الاصليين، استعادة التاريخ") الروايات المتناقلة شفويا.
ويصف كتاب "نحن الارض" الاحساس بالقوة والتحول من موقع الضحية إلى المقاومة.
تقول "أنجيلا إليوت - سانتوس" رئيسة مجموعة مانزانيتا من قبيلة كومياي: "كلمة ضحية فكرة تستدعي المناقشة، فهي تجرد المرء من إنسانيته.. أنا لا أنظر إلى نفسي كضحية".
كانت هناك مقاومة، ومن أشهر وقائعها حرب مودوك للسنوات 1872-1873، والتي شارك فيها اثنان وخمسون محاربا بقيادة "كينتبواش"، الأسطورة الهندي الأكثر شهرة في كاليفورنيا (المعروف أيضا باسم الكابتن جاك)، والذين  رفضوا أن يتم احتجازهم في المحمية المخصصة لهم، ولجؤوا مع نحو 150 مدنيا إلى منطقة طبقات الحمم البركانية المطلة على خط حدود كاليفورنيا- أوريغون.
ومن هناك دافعوا عن موقعهم لبضعة أشهر ضد القوات الأميركية المتفوقة في التسليح بما لا يقبل المقارنة.  
تستذكر "كارمن لوكاس" وهي من نساء قبيلة "كوايمي- Kwaaymii" الكبيرات في جنوب كاليفورنيا، والتي تناهز الثامنة والثمانين سنة من العمر، الموقع الذي ولدت فيه ضمن ما كان يدعى محمية لاغونا الذي تأسس في العام 1893، وكان والدها "توم لوكاس" قد اشترى أرض المحمية للعائلة في العام 1949.
كان توم لوكاس من أواخر الناطقين بلغة "كوايمي" ولهجاتها السبع أما كارمن فقد خدمت عشرين عاما في سلاح مشاة البحرية وقضت بعض الوقت في اليابان، وعادت إلى كاليفورنيا سنة 1976.
تقول كارمن: "نحن جزءٌ من بيئة ثقافية، وحين يجد الآثاريون لُقية أو بقايا حياة يرسمون حوله دائرة ويقولون: "هذا هو الموقع المهم".
لكن المهم فعلا هو كافة اجزاء المنطقة المحيطة حول ذلك الموقع، كالحيوانات والنباتات والصخور.. ولا يمكن النظر إلى محيطٍ ما دون التفكير في قصته، فمن الذي عاش هنا وكيف استخدم العناصر المحيطة به.. إنها فكرة يجب عليهم تفهمها إذا أرادوا أن يُعيدوا لنا شيئا.. مما
فقدناه".

ذا نيويورك ريفيو للكتب