{زهرة النيل}.. النبتة الآفة

ريبورتاج 2023/12/12
...

 نافع الناجي




يشكل انتشار آفة {زهرة النيل} في أنهار العراق، بمثابة كارثة بيئيَّة إن صحَّ التعبير، ومن شأنها أن توقع خسائر اقتصاديَّة كبيرة، بسبب استهلاكها لكميات كبيرة من المياه في الوقت الذي يعاني فيه بلدنا من جفاف وشحٍّ كبير في مصادر المياه، الأمر الذي يتطلب تضافر الجهود الحكوميَّة والمدنيَّة للحد من انتشارها وتقويض حجم ضررها.
أضرار هائلة

لهذه الزهرة تأثيرات كبيرة على الحصة المائيَّة وحركة المياه، كونها نباتاً مائياً يتكاثر وينمو بسرعةٍ كبيرة، ويستهلك كميات هائلة من موارد المياه، فضلاً عن أنّه يقوم باِمتصاص كميات كبيرة من الأوكسجين المذاب في الماء مما يُغيّر من طعم المياه ويجعل رائحتها كريهة، فضلاً عن تلويثه للبيئة، ويعدُّ تهديداً حقيقيَّاً للثروة المائيَّة المعتمدة في الزراعة.

يقول المهندس الزراعي علي حسين فرحان: ظهرت هذه النبتة بمحافظة المثنى في العام 2013 بموسم ظهورها الأول، وتكاتفت الجهود للقضاء عليها، لكن (زهرة النيل) عاودت الظهور مرة أخرى. 


من الزينة الى الدمار!

وحول دخولها للعراق، يضيف فرحان: لقد دخل هذا النبات الى البلد لأغراض الزينة وانتشر على هذا الأساس والبعض يعتقد أنّه جلب لتزيين القصور الرئاسيَّة في تسعينيات القرن الماضي، وذلك لما يمتاز به من جمال وسهولة التكاثر، وتمَّت تربيته في الأحواض المائيَّة وبرك الحدائق، لكنه سرعان ما تحول الى آفة مائيَّة بعد أن تسرّب بشكلٍ من الأشكال خارج الحدائق والمنتزهات الى الأنهر، مسبّباً المزيد من الخسائر الاقتصاديَّة الفادحة. 


خسائر وفوائد

وبالضدّ من ذلك، يرى البعض أنّه من الممكن الإفادة منه كمادة علفيَّة خلال مكافحته، ولأجل تسليط الضوء على هذا الموضوع، يقول المهندس صفاء صالح جاسم مدير دائرة كري الأنهر في المثنى، إنّ "الموطن الرئيس لهذا النبات هو حوض نهر الأمازون في قارة أمريكا اللاتينيّة، ومنها انتشر إلى العديد من دول العالم وخاصة في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية"، ويضيف "هو أحد الحشائش السائدة في نهر النيل ولا سيما في (مصر، كينيا، أوغندا، تنزانيا، بنين والسودان)". 

ولفت جاسم إلى أنّ "النبات ينتشر أيضا في الولايات المتحدة الأمريكية وجزيرة جاوة واستراليا، وقد وصل حديثاً إلى العراق"، منوهاً الى، أن "من أهم مخاطر هذا النبات والمشكلات البيئيّة التي يخلفها أنّه يستهلك كميات كبيرة من المياه، إذ يقدر استهلاك النبتة الواحدة بنحو لتر من الماء يومياً، مما يؤثر في الواقع الزراعي، وتكوين مسطحات كثيفة من النباتات المتشابكة والمتراصّة"، مضيفاً: "كما أنّه يسهم في حجب وصول ضوء الشمس ما يسبب خللاً في التوازن الدقيق للشبكة الغذائيَّة، وإعاقة عمليات الري من خلال غلق ومنع جريان مياه الري في الجداول الضيقة"، لافتاً إلى، أنّه "يقوم أيضاً بغلق مضخات الري والبزل". 


مخاطر جسيمة

وتابع مدير كري الأنهر، أنَّ "لهذه النبتة مخاطر على الثروة المائيّة، فالمساحة التي أخذت تشغلها زهرة النيل في المحافظة بحدود ثلاثة ملايين متر مربع، أما الذي تمت معالجته كان بحدود مليون متر مربع تقريبا مع الاستمرار في عملية الكري"، منوها إلى أنّه "تم نصب خمسة مصدّات على الأعمدة الرئيسية لمنع انتشار آفة زهرة النيل بشكل نهائي كما حدث في العام 2013 حيث تم القضاء على زهرة النيل بشكل نهائي من أنهر وجداول المحافظة بعد أن تم رفعها ودفنها تحت الأرض".


شكلها الجميل

الخبير البيئي حسين غالي، أوضح أنّ "زهرة النيل هي عبارة عن نبتة مائيَّة عشبيَّة يمكن أن تصنّف كأدغال، دخلت إلى العراق في ثمانينات القرن الماضي، إذ تم استيرادها لشكلها الجميل وملاءمتها لظروف البلاد المناخيّة واستخدمت للزينة، ثم انتقلت الى مشاتل بغداد ثم الى قناة الجيش والى نهر دجلة، ما أدى إلى انتشارها وخصوصاً في محافظات الفرات الأوسط". 

ويضيف غالي: "تنتشر هذه النبتة بمساحة تصل إلى دونم في الموسم الواحد وتستهلك لتراً واحداً من المياه يوميّاً وتؤثر في نوعيته، ويقل محتواها من الأوكسجين وينتج عنها بيئة غير صالحة للأنواع الأحيائيَّة".


نبتة دخيلة

من جانبه قال عواد عطشان الأعاجيبي، رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحيَّة في المثنى: "تعد نبتة زهرة النيل دخيلة على البيئة العراقيَّة، وقد ظهرت في أواسط الثمانينات من القرن الماضي لتنتشر في بداية الأمر في قناة الجيش"، ودعا الأعاجيبي الجهات المعنيَّة "إلى تضافر جميع الجهود لمكافحة زهرة النيل التي تؤدي إلى كارثة في حال عدم مكافحتها، لأنها سريعة الانتشار وتتسبّب في شح المياه التي تعاني منها المحافظة بخاصة والعراق والمنطقة بعامة".


الانتباه لخطورتها

المواطن جبار محمد يقول: "يجب أن تتم دراسة المشكلات كافة التي تعاني منها الزراعة العراقيَّة، مثل التصحّر وزهرة النيل وشح المياه، إذ يراد من الجهات المعنيَّة الانتباه لخطورة هذه النبتة والإسراع بدراستها بشكل علمي دقيق وتحديد الأسباب التي أدت إلى انتشارها". 

منوهاً، أنَّ "القطاع الزراعي بشكل عام يحتاج إلى وضع الحلول الناجعة التي تنتشله وتصل به إلى بر الأمان"، مستدركاً "أنّ النهضة التي يشهدها القطاع الزراعي في جميع محافظات البلاد تحتاج الى تدعيم الأسلوب العلمي والبحثي بشكلٍ شامل ومعمّق".


مادة علفيَّة

الدكتور علي عبد الله رئيس قسم الثروة الحيوانيَّة في كلية الزراعة بجامعة المثنى، أكد أنَّ "الجامعة قامت بتشكيل فريق بحثي لوضع الخطوات الأولى لمعرفة أماكن تجمع زهرة النيل في المحافظة، ودراسة أسباب غزارة تكاثرها في هذه المناطق وتحليل النبات لمعرفة نسب العناصر الموجودة بها". 

وأضاف: "الفريق البحثي قام بأخذ عينات من ورد النبات وتحليله بعد فصل مكوناته من (أوراق، ساق وجذور) لمعرفة كل تفاصيلها، ليتم بعد ذلك إجراء التجارب والتحاليل على هذه النبتة".

ونوه عبد الله "وجدت نسبة من البروتينات تتراوح من 15 - 17 وهذه النسبة عالية، إذ يمكن أن يجفف ويستخدم كأعلاف حيوانيَّة بعد كبسه للحيلولة من دون انتشار البذور، مما قد يؤدي الى عودة انتشار النبات"، مشيراً إلى أنّه تتوفر في الكلية أقسام ومختبرات يمكن الاستفادة منها في هذا الجانب، إذ يتم كبس النبات على شكل كبسولة صغيرة كمادة علفيّة خصوصاً أنّ النبات سريع الجفاف اذا ما تعرض للشمس".


ندوات وبرامج إعلاميَّة

من جهته يقول المزارع عبد الإله محسن "نتيجة لخطورة انتشار هذا النبات على الزراعة والري في العراق، فلا بدَّ من تضافر جهود جميع المزارعين والجهات المعنية لمكافحة هذه النبتة وعدم السماح بانتشارها"، مضيفاً: "كما يجب عقد الندوات التي تعرّف الفلاحين والمزارعين بخطورة هذه الزهرة وأهمية القضاء عليها وتعريفها للمجتمع بواسطة وسائل الإعلام المختلفة بالتعاون مع الدوائر المعنية في وزارة الزراعة ووزارة الموارد المائيَّة ووزارة البيئة ومراكزها الإرشاديَّة"، داعياً الجهات المعنية إلى تأسيس مراكز بحثيَّة متخصصة لمعالجة زهرة النيل.


طرق المكافحة

المهندس يوسف سوادي مدير دائرة بيئة المثنى، أوضح أنَّ "هناك ثلاث طرق لمعالجة زهرة النيل؛ الأولى: المكافحة الكيميائيَّة ويفضّل عدم استخدام هذه الطريقة، لأنّها تسبب تلوث المياه وقتل الأحياء المائيَّة وكذلك تأثيرها المباشر على الإنسان، وخصوصاً الأنهار التي تستخدم في مياه الشرب"، لافتاً إلى أنَّ "من الطرق الناجعة لمعالجتها تتمثل بـ "الطرق الميكانيكيَّة من خلال استخدام الحفارات بحصادها، والطرق البايولوجيَّة ونحن مع الطريقة الأخيرة، إذ يتم استخدام (الأعداء الطبيعيين) للنبات من الحشرات والأسماك التي تتغذى على هذا النبات".

وفي ذات الصدد، يؤكد المهندس صفاء صالح جاسم مدير كري الأنهر "تكافح هذه النبتة بواسطة ثلاث طرق، الأولى ميكانيكيَّة وهي المتبعة حالياً والمكافحة الكيميائيَّة التي تتم بانتخاب أنواع معينة من المبيدات الصديقة للبيئة، ولكن وزارة البيئة تحذر من استخدام هذا النوع من المبيدات، خوفاً من الآثار الجانبيَّة التي قد تصيب الإنسان والحيوان"، مضيفاً: "أما الطريقة الثالثة والتي يطلق عليها عادة المكافحة البايولوجية المتمثلة بالزج بعدو طبيعي للنبتة، كأن يكون نوعاً من الأسماك أو نباتات تتغذى على نفس مصادر تغذية زهرة النيل"، وهذا ما أشار له مدير بيئة المثنى.


حلول جذريَّة

وناشد المزارع الشيخ ماجد الخوام، المسؤولين والجهات المعنية في وزارتي البيئة والزراعة بضرورة "مفاتحة الشركات العالميَّة لإيجاد مبيد متخصص يعمل على إبادة هذه النباتات من دون تأثير على صحة الإنسان والأحياء المائيَّة"، مشيراً إلى أنَّ "الحديث عن الآثار الجانبيَّة لـ (زهرة النيل)، قد يشكل عائقاً لتقويض الزراعة في المثنى وعموم المنطقتين الوسطى والجنوبية في العراق، ما يدعونا للبحث عن سبل وطرق علاجيَّة مبتكرة، للتخلّص من هذه النبتة التي باتت ترهق ملاكات وزارة الموارد المائيَّة في المحافظة".

فيما حذر المهندس عبد الكريم رزاق رئيس قسم الوقاية في مديرية زراعة المثنى من مخاطر زهرة النيل على الأنهر والجداول في المحافظة، ودعا لتكثيف العمل الجاد للحيلولة من دون انتشارها بصورةٍ واسعة، كما حذر من استخدامها كـ (سماد أو أعلاف حيوانيَّة)، حيث سيؤدي إلى انتشارها في مساحات أخرى، مطالباً بالتعجيل بإيجاد الحلول الجذريَّة للقضاء عليها.