الجار. قيمة اجتماعيَّة ودينيَّة متأصلة لدى العراقيين

ريبورتاج 2024/01/24
...

 بدور العامري

سطوح المنازل متصلة ببعضها لا تفصلها الحواجز، كل أيام الصيف كانت تمتلأ بأحاديث وضحكات الصغار والكبار من الجيران والأحبة، وسط ما تيسر من طعام (التعلولة) وجلسات النسوة التي تستمر لساعات طويلة، حتى يدب النعاس في أعين الأطفال، وينام الكل في مكانه، بغض النظر إن كان بيت أهله أو جيرانه، هكذا كانت طفولة الحاجة أم فهد ذات السبعين عاما والتي تسكن مدينة الناصرية.

صورٌ جميلة
إعداد وجبة من الطعام للجار الجديد، هو تقليد له دلالة لا تختلف عن معانٍ عميقة الألفة والأخوة والتواصل بين الجيران، التي تحدثت عنها أم فهد، عندما تابعت روايتها لطبيعة العلاقات بين الجيران  في تلك الفترة، بمشاعر يملؤها الحنين والتباهي بقوة الأواصر بين أبناء المجتمع العراقي في الماضي، والتي تتنمى الحفاظ عليها من قبل الجيل الحالي، حيث تقول: "احيانا أجد نفسي في الصباح بين أطفال الجيران نائمة على سطحهم، بسبب حركتي وتقلبي أثناء النوم (النوم العبث) كما تصفه امي رحمها الله، وهناك صورة جميلة أخرى، تحدثنا عنها السيدة زينب عبد الرضا ام محمد (45عاما)، اذ تقول كان والدي عندما يذهب للعمل، يتركنا بأمانة الجيران  أنا وأخوتي ووالدتي، علما انه كان يعمل في شركة للمقاولات في محافظة أخرى ويستمر غيابه لفترات طويلة، لذلك عندما كبرت أشعر أن بنات الجيران هن اخواتي، ولم افارقهن حتى بعد زواجي وانشغالي بحياتي الخاصة، فقد بقينا على تواصل مستمر ونحرص على الاجتماع في كل المناسبات السعيدة والحزينة على حد سواء .

قيمٌ اجتماعية
تعد الجيرة من المفاهيم الاجتماعية والدينية التي أعطاها الإسلام أهمية كبيرة، حيث تم ذكرها في القرآن الكريم وورودها بالنص الصحيح (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ) سورة النساء (36) ، كذلك الحال مع احاديث الرسول الكريم محمد (ص) التي كانت تبين مكانة واهمية الجار في المجتمع، وخير دليل على ذلك حديثه عليه الصلاة والسلام قائلا: " ما زالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بالجارِ، حتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُهُ"، فضلا عن الكثير من الحكم والمقولات الاجتماعية التي تعظم من قيمة الجار مثل (الجار قبل الدار)، الجار أخ وغيرها.
وبحسب الباحث الاجتماعي ولي الخفاجي "فان المجتمعات القيمية تستند إلى اعتبارات أساسية، منها حسن الجوار ومراعاة الجيران لبعضهم البعض، اذ عندما يختار الشخص جارا له يتصف بالأمانة والخلق العالي، كأن يكون مسالما ومسامحا ويحمل قدرا من الثقافة والوعي، فإنه  يشعر بالأمان بطريقة غير مباشرة، على اعتبار أن الحياة فيها الكثير من الأعباء والصراعات اليومية المليئة بالإرهاصات، كأن يكون هناك طفل أخطأ التصرف أو أحد أفراد الأسرة بحق الجار، ومسألة تعامله مع هكذا أحداث هي من أعطت أهمية أن يكون متفهما ومتعاونا مع الآخرين ذي نية حسنة، لتجاوز الخلافات والمشكلات، التي قد تحصل بين الجيران في المنطقة الواحدة"، وتابع الخفاجي أن قيمة قضية الجار لا تكمن بمسألة الأمن والشعور به فقط، بل توجد هناك ملامح اجتماعية عميقة، منها اعتبار الجار كالأخ والقريب الذي تتشارك معه أفكارك وهمومك وأفراحك وكل ما يصيبك، كونه الأقرب وعلى تماس دائم معك.

متغيرات
 هناك بعض الأسباب التي أدت إلى تغير في شكل وحجم العلاقات بين الجيران لبعض المجتمعات مقارنة بالسابق، مع احتفاظ البعض الآخر بتلك المكانة، حيث انعكس تأثير الازمات الأمنية والاقتصادية، التي تعرض لها البلد في الآونة الاخيرة على  القيم المجتمعة بصورة عامة ومن بينها مكانة الجار، حيث أجبرت مسألة استقلال الابناء على ترك منزل الاباء وانتشارهم بين مناطق سكنية متباعدة، الأمر الذي أفقد توارث الجيرة  واستمرار العلاقات عبر الأجيال، ويعتقد الخفاجي أن "الحاجة إلى معرفة الجار الجديد وتغير النظرة له من الريبة والتخوف إلى الاطمئنان أصبحت تأخذ وقتًا طويلا، إضافة إلى مسألة التحول في التواصل الاجتماعي من حقيقي إلى افتراضي، عن طريق الاتصال أو المسجات، هذا الأمر ساهم إلى حد كبير في مسألة غياب القيم الاجتماعية التقليدية مثل التزاور والسؤال بشكل يومي وغيرها، وتابع الخفاجي من بين تغيير المفاهيم الاجتماعية بهذا الخصوص، تجد أن الشخص عندما يصف منطقة سكنية بأنها مرغوبة وهادئة سوف يقول "إن الجار لا يعرف جاره" وهذا الامر في غاية الخطورة كما يصفه الخفاجي، باعتباره يمثل انقطاعًا للتواصل بين أفراد المجتمع وتحجيما لمكانة وقيمة الجيرة.
 ولمكانة الجار وأهميتها في المجتمع العراقي، فقد أوجد المشرِّع العراقي عددًا من النصوص والبنود الخاصة بحقوق الجار وعدم ازعاجه، اذ يقول المحامي نور الدراجي، تناول القانون العراقي عقوبة ازعاج الجار، بهدف توفير الراحة والاستقرار للمواطنين، وعدم التعدي على حقوق الاخرين، خاصة ممن يقيمون في السكن العمودي، مبينا أن هذه العقوبات توزعت ما بين اصلية ومالية وأخرى تكميلية مع مراعاة حق الجار في بعض التصرفات القانونية والإدارية في ما يخص البناء والعمل الانشائي وغيرها من التفاصيل الأخرى.