لتطوير وتنمية إدراك الصِّغار الدراما والرُّسوم المتحرِّكة.. محطّاتٌ مهمَّة

ريبورتاج 2024/02/20
...

 فجر محمد



تجلس سامية مفيد مع ابنتيها {نور} و{مسار}، إذ تحاول أن تقضي بعض الوقت معهما، ولكنها تشعر بالانزعاج مما يتابعانه أحيانا، فهما يستمتعان بمشاهدة الأفلام التي تحمل مضامين الاكشن والرعب أكثر من نظيرتها التي تحمل رسائل ومضامين مهمة كما تقول سامية، وتستذكر الأم أيام طفولتها وحبها وتعلقها بأفلام الكارتون التي لا تعد مجرد تسلية ومتعة وفق تعبيرها، بل هي دروس حياتية ومواقف وعبر يتعلّم منها الأفراد الكثير.

وترى الباحثة والمختصة بمسرح الطفل الدكتورة فاتن الجراح أن الثورة العلميّة والتكنولوجيّة التي تعيشها دول العالم، ومن بينها العراق أدت إلى تغييرات متعددة فأصبحت البلدان تستقبل كل شيء لهذا فإن الآباء يواجهون تحديات عديدة، ومن بينها أن ينجحوا بغرس الوعي في نفوس أبنائهم، ويساعدونهم على انتقاء البرامج التي من الممكن أن تنمي وتطور شخصياتهم وذائقتهم بكل المجالات، فمن المعروف أن مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت بصورة عامة فيهما الكثير من البرامج والأفكار المتعددة، والرسائل المتنوعة.


تقليد أعمى

تحاول سامية أن تزرع الأفكار المليئة بالخير والتعاون الإنساني في الصغيرتين، وتفضّل أن تبعدهما عن الدراما والافلام المليئة بالعنف، لهذا تستعين باليوتيوب في كثير من الأحيان، وتعيد بث أفلام الرسوم المتحركة التي تجد فيها المتعة والفائدة في الوقت ذاته. كما تشكو تلك الأم والكثير من نظيراتها من انتشار أفلام الأكشن والرعب، واستقطابها للأطفال الصغار، فضلاً عن الدراما المختلفة المصادر، التي تعتقد سامية أنّها تحمل رسائل تختلف تماماً عن مجتمعاتنا وعاداتنا وتقاليدنا. وما يجري اليوم من تقليد أعمى، لتلك الأفلام والمسلسلات من قبل الأطفال والمراهقين هو خطر حقيقي قد يُهدد كيانهم وشخصيتهم.

من جهتها تبيّن الباحثة في دار ثقافة الأطفال رشا اسماعيل ابراهيم أن الحياة الإنسانية سلسلة من الحلقات العمريَّة تتعاقب بانتظام وفق سنن محكمة، منذ بدايتها وحتى نهايتها. ولكن أكثرها أهمية هي مرحلة الطفولة، التي تمتاز بطبيعتها الخاصة المتّصفة بالضعف واعتماد الصغار على الكبار في توفير متطلبات الحياة والاستمرار فيها، إذ ليس في وسع الطفل في هذه المرحلة أن ينمو من تلقاء نفسه. لهذا فهو يحتاج دعماً وإسناداً من أسرته ومتابعة مستمرة.


مضامين إنسانيَّة

تجلس سامية في ركن خاص بها، تضع فيه الأشرطة والمجلات خصوصاً تلك القديمة على غرار مجلتي والمزمار، كما أنها وفرت شاشة عرض كبيرة في صالة الجلوس تعرض فيها أفلام الرسوم المتحركة التي كانت تستهويها في الطفولة، إذ تحاول الأم أن تحفز ابنتيها في متابعة ومشاهدة هذه الأفلام لأنها تحمل رسائل بمضامين إنسانيَّة، وأهداف عميقة من شأنها أن تغيّر التفكير وتنمي الوعي وتطور الشخصية، وتبعدهما عن تلك التي ترى بأنّها غريبة ولاتفيدهما بشيء.

تنتقد المختصّة والباحثة فاتن الجرّاح غياب فضائيّة محليّة تخاطب الصغار وتقدم لهم برامج هادفة وتوعويَّة، وتجدر الاشارة إلى أن مؤسسة البرامج المشتركة التي كانت موجودة في الماضي لعبت دورا كبيرا في استقطاب البرامج وافلام الرسوم المتحركة التي تحمل رسائل متنوعة للصغار، بل وتنمي شخصيتهم.

لافتة إلى أنَّ فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي شهدت ثورة كبيرة في مجال افلام الرسوم المتحركة، وبرامج الاطفال إذ كانت تبث كل ما من شأنه ان يطور الطفل ويوسع ادراكه ومداركه. وتنوّه الجرّاح إلى أن وجود السينما السوفيتية التي من وجهة نظرها كان لها دور كبير في تطوير الاطفال، فضلا عن اليابان التي هي الأخرى كان لها دور في أفلام رسوم الأطفال وما تقدمه من أفكار ورسائل مختلفة تخطاب عقولهم، كان عاملا مهما لتثقيف الأجيال التي عاصرت تلك الفترة الزمنية.


مقارنات مختلفة

على الشاشة الكبيرة كانت حركات توم وجيري وصراخهما، يسيطر على المكان مع تسمّر الصغيرتان نور ومسار أمام تلك اللقطات، أما الأم فبدت منزعجة لأنها كما توضح ليست من محبي الافلام التي تحث على التنافس، وإقصاء الآخر بل كانت تميل وفق قولها الى تلك التي تزرع المحبة والخير ومساعدة الآخر، وتابعت سامية: "أما اليوم ما نشاهده من افلام ودراما بل وألعاب أيضاً، تحث الأطفال على التنافس وإقصاء الآخرين وفرض الرأي وهذا ما أحاول أن أبعد الفتاتين عنه، ولكن بالتأكيد لن أفرض عليهما هذا الأمر".

ترى الدكتورة فاتن الجرّاح أنَّ هناك شخصيات قدمت في مجال الرسوم المتحركة، تشجع وتحث على فعل الخير ومنها ماقدمه الانتاج الياباني وعلى وجه الخصوص شخصية بيكاتشو الذي يسعى للخير ومساعدة الآخرين. في حين تنتقد الجراح رسوم الكارتون الاميركية، التي تزرع التنافس والرغبة بالتفوق على الآخر. موضحة ضرورة وجود مؤسسات تقدم للأطفال برامج ورسوم متحركة، تكون قادرة على تنمية شخصياتهم وتطوير معارفهم ومهاراتهم.


الصحة النفسيَّة

تشير التقارير إلى أهمية الرسوم المتحركة والمسلسلات التي تخاطب الصغار، ومدى تأثيرها على صحتهم النفسيَّة، فهناك العديد منها يمكن أن يتسبّب بزيادة الميول العدوانيَّة، والعادات السيئة والعنف وغيرها من الأمور التي قد تربك الصغار، وتؤثر عليهم في الوقت نفسه. فقبل أيام نشر أحد استشاري طب الاطفال وحديثي الولادة وهو الدكتور وائل عباس، منشوراً على صفحته في الفيسبوك يحذر من شخصية كارتونية اسمها لولو، إذ تبث أفكاراً خبيثة وتصرفات مؤذية وفق تعبيره.

في حين انتجت المخرجة الاردنية سينثيا مدانات الفيلم الكارتوني "سليم"، يسعى الى الاهتمام بالصحة النفسية للطفل خصوصاً في وقت الحرب، وقد شارك هذا الفيلم وفاز بجوائز عديدة لأنّه خاطب الطفل بطريقة ولغة سليمة وخالية من العنف، او العبارات غير اللائقة.


دروس مهمَّة

لا أنكر أن ابنتي تمتازان بالجرأة وسرعة البديهة والفطنة، مثلما هو الحال مع أبناء جيلهما بهذه العبارات استهلت حديثها سامية متابعة القول: "لكنهما الأكثر عنادا، وفي كثير من الأحيان نبذل أنا ووالدهما جهداً كبيراً لاقناعهما أو تغيير رأيهما".

تشير الدراسات المتداولة إلى أن الأفلام والدراما ومختلف البرامج، التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، تسهم بشكل كبير في تشكيل شخصية الطفل وتبعاتها تمتد إلى مرحلة المراهقة لذلك من الضروري أن تفرض الأسرة سيطرتها، في الكثير من الأحيان بمراقبة تلك البرامج حرصاً على وعي صغارهم.

تلفت الاكاديمية والناشطة المدنية الدكتورة بشرى العبيدي، الى ان هناك إمكانية لإصابة الأفراد الذين يتابعون برامج تحث على العنف، بأمراض نفسية مختلفة محذرة من انتشار مقاطع الفيديو التي تروّج لهذه الأفكار وتأثيرها في المراهقين.

وفي وقت سابق أوصت منظمة الصحة العالمية، بضرورة عدم ترك الأطفال أمام شاشات الأجهزة الذكية والتلفاز لفترات طويلة، لما يحمله هذا الأمر من مخاطر كبيرة على نموهم. وفي الوقت ذاته حذر عدد من الأطباء ونبّه الآباء إلى ضرورة تقنين استخدام الهاتف، ومراقبة ومتابعة ما يشاهدونه من أفلام وبرامج ورسوم متحركة.