الحرب بين لبنان وإسرائيل وتوقعات الكارثة

قضايا عربية ودولية 2024/02/28
...

 محمد الشمعة وسوزان هايداموس 

 ترجمة: أنيس الصفار


انخفضت رواتب الجنود اللبنانيين إلى حد أن العديد منهم صاروا يعملون الآن في وظائف ثانية، مثل قيادة السيارات بشركة أوبر أو في ساحات وقوف السيارات، كما أطلقت حملة “غو فاند مي” لدعم خدمات الاستجابة الطارئة في البلد، وهاجم المودعون الغاضبون في بيروت مقر أحد المصارف الكبرى بالألعاب النارية لامتناعه عن صرف مدخراتهم. 

كان لبنان يعاني أزمة اقتصادية حتى قبل حرب غزة، فمنذ العام 2019 انخفض الناتج المحلي الإجمالي لهذا البلد بنسبة 50 % وتفشى الفقر بين 80 % من اللبنانيين، وإذا ما توسعت الحرب التي كان يخشى وقوعها منذ وقت طويل، في خضم المناوشات المستمرة بين القوات الإسرائيلية وحزب الله على طول حدود لبنان الجنوبية، فسوف تحل الكارثة.


كوارث مستمرة

الكوارث ليست أمراً طارئاً على لبنان، فهو قد نجا من حرب أهلية دامت 15 عاماً ومن صراع بين إسرائيل وحزب الله في العام 2006، بيد أن اللبنانيين منهكون في هذه المرة، كما يقول “سيمون نعيم” أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت. يقول نعيم: “الوضع اليوم مختلف تماماً. ففي العام 2006، خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل، كان لدينا اقتصاد يعمل، وكان لدينا نظام مصرفي فعال يمد القطاع الخاص بالائتمان ويساهم في النمو، وكانت لدينا حكومة تؤدي وظيفتها وكان هناك رئيس جمهورية”. علامات التفكك تلوح في كل مكان، والبلد بلا رئيس جمهورية منذ عام، ولا حكومة عاملة منذ ما يقارب عامين، والعملة فقدت أكثر من 90 % من قيمتها منذ 2019.

مصارف لبنان المفلسة لا تسمح للمودعين بأن يسحبوا كامل أموالهم، وهو ما تسميه وكالة التصنيف “أس أند بي غلوبال” بالقصور الانتقائي، وأعلن اتحاد مصارف لبنان أن تلك المؤسسات لا تملك سيولة كافية لدفع أموال المودعين.


مخاوف ورسائل

في يوم 8 كانون الثاني شاهد المسافرون عبر مطار بيروت شاشتي الوصول والمغادرة تومضان فجأة برسالة جديدة موجهة إلى زعيم حزب الله القوي تقول: “يا حسن نصر الله .. لن يكون لك مؤيدون في لبنان إذا ما انجررت إلى حرب ستتحمل أنت مسؤوليتها”.

أبرزت الرسالة عمق الخوف من أن تتفجر المواجهة الحالية بين حزب الله وإسرائيل إلى حرب جديدة .. كما أظهرت مدى سهولة اختراق أنظمة النقل الحيوية.

يقول سيمون نعيمه، إن لبنان تلقى في العام 2006 دعماً من الدول العربية، لاسيما دول الخليج النفطية الغنية، لإعادة الإعمار بعد انتهاء تلك الحرب. لكن الوضع لم يعد كذلك اليوم، إذ تأزمت العلاقات مع ممالك الخليج بسبب الحضور المتزايد لحزب الله والتوترات التي فاقمها فقدان الاهتمام بلبنان عموماً بين جيل الزعماء الشباب في الخليج. 

في الواقع، أن عناصر البقاء الوحيدة المتبقية من التركيبة اللبنانية التقليدية هم اللبنانيون أنفسهم .. أو بمعنى أدق، اللبنانيون المقيمون في الخارج. إذ قدرت دراسة للأمم المتحدة أجريت في 2023 أن متوسط التحويلات المالية من المغتربين يبلغ 6,5 مليار دولار سنوياً، وهذا يمثل أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي.

يقول سيمون: “هذا هو الذي يبقي الاقتصاد دائراً، وهذا هو المصدر الرئيس للعملة الأجنبية اليوم، إلى جانب النزر الضئيل الذي تدره السياحة. نحن لم نعد نصدر كثيراً ولكننا نستورد الكثير.”

لكن متى ما اندلعت حرب شاملة، كما يقول، فسوف يصبح من الصعب جداً على المغتربين اللبنانيين مواصلة إرسال التحويلات المالية من الخارج.


تراجع اقتصادي

وفقاً لما توصل إليه مركز “المبادرة السياسية”، وهو مركز أبحاث محلي، فإن مؤشرات الاستثمار الأجنبي قد أخذت بالانحدار نزولاً منذ بدء الحرب في تشرين الأول الماضي، وذلك يعكس ضعف ثقة المستثمرين بهذا البلد. من ناحية أخرى أضر القتال بقطاع السياحة في لبنان وزراعتها، لأن القسط الأعظم من هذين النشاطين يتركز في مناطق الجنوب ولهما حصة مؤثرة في الصادرات.

تحملت الخدمات العامة والكوادر العاملة فيها وطأة الأزمة المالية على أشدها، إذ اقتربت مستويات الرواتب من العدم بعد أن فقدت العملة قيمتها. كثير من هذه الخدمات، كالمستشفيات وخدمات الطوارئ، ستكون لها أهمية حاسمة في حالة الحرب.

يقول حسين فقيه رئيس جهاز الدفاع المدني في المنطقة الجنوبية: “نحن لا نملك المعدات المطلوبة لإنقاذ من يحاصرون تحت الأنقاض، بل نستخدم أيدينا ومعدات بدائية بسيطة.” وفي شهر كانون الثاني أنشئت صفحة خاصة على موقع “غو فاند مي” لدعم المنظمة، تضم رجال إطفاء وفرق طوارئ طبية، ولو أن الحملة المذكورة تنفي أي علاقة لها بذلك. يضيف فقيه: “الحرب الواسعة المحتملة مع إسرائيل سوف تؤثر بكل تأكيد في عملنا نظراً لمحدودية القدرات.”

نظام الرعاية الصحية

نظام الرعاية الصحية المثقل في لبنان سوف يعجز هو أيضاً عن التعامل مع الموقف إذا ما توسعت الحرب، وسوف يضطر معظم المواطنين الذين يحول ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية في القطاع الخاص دون حصولهم على هذه الخدمة، إلى طلب العلاج في مستشفيات القطاع العام داخل البلد التي تعاني هي نفسها من نقص التمويل في بلد كانت الرعاية الصحية فيه ذات يوم موضع فخر في المنطقة.

تفيد تقارير منظمة “أطباء بلا حدود” بأن معدلات الأشخاص الذين يعتمدون على تلقي العلاج من وكالات الإغاثة ماضية بالتصاعد. ففي المناطق القريبة من الحدود اللبنانية السورية رصدت المنظمة المذكورة زيادة نسبتها 67 % في أعداد من يراجعون عياداتها منذ بدء الأزمة المالية.

هنالك أيضاً شح في الأيدي المدربة والخبرات. فوفقاً لـ “كالين رحيم”، المنسق الطبي لمنظمة أطباء بلا حدود في لبنان، فإن عدداً من الأطباء والممرضات المتخصصين في مجال الرعاية الصحية، قد غادروا البلد جراء تراكم الأزمات وتشابكها.”

تقول “لوردا هيلو” وهي ممرضة تعمل في أحد مستشفيات بيروت وتتقاضى راتباً مقداره 500 دولار شهرياً لا يكاد يكفيها أسبوعاً: “الحرب يمكن أن تكون مدمرة للخدمات الطبية في البلد بسبب قلة الكوادر ونقص التجهيزات والمعدات الطبية.”


وضع الجيش

من بعد ذلك هناك الجيش اللبناني، حيث تلجأ أعداد متزايدة من الجنود إلى البحث عن عمل إضافي للتمكن من سداد الفواتير. تضغط الولايات المتحدة على حزب الله، لتحريك عناصره باتجاه الشمال بعيداً عن الحدود الإسرائيلية، من أجل خفض حدة التوتر، والأمر هنا مرهون بقوة بوجود جيش لبناني قوي يرفع من حضوره في تلك  المنطقة.

يعتمد الجيش حالياً على تمويل كبير يأتيه من مصادر خارجية كي يتمكن من دفع رواتب الجنود وإطعامهم وتغطية نفقات العلاج الطبي. وبرغم تلقي هذا الجيش مساعدات عسكرية من الولايات المتحدة زاد مجموعها على 3 مليارات دولار منذ العام 2006 فإن الاحتياجات لا تزال هائلة. 

في العام 2023 وحده أرسلت الولايات المتحدة مبلغ 72 مليون دولار كدعم مالي مؤقت للرواتب. وفي العام نفسه تبرعت قطر بمبلغ 30 مليون دولار في صيغة وقود، وفي العام 2022 أرسلت 60 مليون دولار لتغطية الرواتب بالإضافة إلى 70 طناً من المواد الغذائية، كما قدمت فرنسا معدات طبية.

يقول جندي سابق يعمل حالياً سائق أجرة لدى شركة أوبر، إلى جانب استمراره في الخدمة خلال ساعات النهار: “لم أعد أستطيع إطعام عائلتي. كنت أكسب 1500 دولار شهرياً من عملي في الجيش، ثم فجأة انخفض الرقم إلى 60 دولاراً فقط، وأنا عندي طفلة لا يتعدى عمرها عامين تحتاج إلى الحفاظات وحليب الأطفال. لذا اضطررت إلى العمل ليلاً.”

يضيف الجندي، الذي تحدث مشترطاً عدم الكشف عن اسمه نظراً لحساسية الموضوع: “لقد التحقنا بالجيش لكي نتمكن من تربية أطفالنا، ولكن الأمور بلغت بنا حد العجز عن تحمل تكاليف ذلك.” في نهاية الأمر اضطر هذا الجندي إلى تقديم طلب بالتقاعد مبكراً من الجيش، لأن الجنود يتعرضون للإذلال كما يقول. حتى لو لم تندلع الحرب في نهاية المطاف، فإن الانهيار الاقتصادي والمالي لا يزال محتمل الوقوع، كما يقول نعيمة، الذي يمضي مضيفاً: “لم تجرَ أي إصلاحات منذ اندلاع الأزمة المالية في 2019، ولم يتخذ أي إجراء للتعامل مع الأزمة. لذلك، وبصرف النظر عما يجري في الجنوب، فإن الاقتصاد لا يزال ماضياً على مسار تصادم يعقبه الانهيار الكامل”.


• عن صحيفة “واشنطن بوست”