التوظيف الإيديولوجي

منصة 2024/03/07
...

 حازم رعد

إن ما يشغل تفكير المواطن هو ما له تأثير في سير حياته الحاضرة أو في المستقبل، وغالباً ذلك ناشئ من المشكلات التي يعج بها واقعه {المعيش}بدءاً من المشكلات الاجتماعية إلى مشكلات السياسة التي لها تأثير واضح في مجريات حياته، وأكيداً أن تلك المشكلات يشترك في الانشغال بها ويتفاعل معها الآخرون بهموم وتداعيات.

والبطالة من تلك المشكلات التي تكاد تكون ظاهرة "وهي فعلاً كذلك، إذ هي واقعة وحدث عام يتفاعل عنده جميع مواطني الإقليم أو الجغرافيا الواحدة"، كذلك مشكلة التلوث البيئي والتصحّر الذي يفيء بشكل سيئ على الناس، إذ إن تداعيات التلوث واضحة في أنها أحد مسببات الأمراض الخبيثة والفشل الكلوي، وهذان الهمان يشترك فيهما كل المواطنين، أيضا مشكلة الأمن والنظام الذي لو افتقد لعمت الفوضى الجميع ولانتشر الخوف وانعدام الطمأنينة والأمان.

أما لو كان ما يشغل، بأنَّ الفرد هو الانتماء الآيديولوجي، فإنّه من المؤكد أن نشاط ذلك الفرد سيكون متحيّزاً يقتصر على جهة أو جماعة من الناس، لأنّه سوف لن ينظر للآخرين على أنّهم مواطنون يشتركون معه في المصير والتداعيات والحقوق والواجبات، فالمنظار هنا سيكون من زاوية آيديولوجية، وعلى ضوء ذلك يحتكر الحقيقة ويقصي الآخر ويستبعده من الواقع والنشاط "لأنّه بحسب منظورات ذلك المؤدلج مختلف وعلى خطأ ومجانب للحق".  

غالباً ما تكون منظورات ونشاط الأفراد المؤدلجين نابعة من احتكار الحقيقة، وعليه ستكون مساعيهم متحيّزة ناظرة للجهة والمعتقد، وينعكس ذلك على كل ممارسة يقومون بها، مثل الانتخابات والعمل الاقتصادي والنشاط الاجتماعي، بل يشكل ذلك كل الممارسات الأخرى، وسيحاولون تسخير الدولة ومقدراتها لخدمة الآيديولوجيا، وهذه ما نطلق عليه مرحلة "التوظيف الايديولوجي" الذي يجعل كل شيء أداةً تجر النفع إلى الفكرة الآيديولوجية، وهي مرحلة يصل اليها الأفراد داخل الاطار الفكري الواحد المنغلق، بعد تحقق الإيمان بأنّهم لا غيرهم أهل الحق والفرقة الناجية، وما إلى ذلك من ألقاب وتوصيفات يطلقونها على أنفسهم واتجاهاتهم المختلفة باختلافات وجهات نظر المعتقد أو الفاعل الاجتماعي المهم. 

ولذا فإنَّ أيَّ نشاط أمارسه بصفتي "مواطن" له أهمية كبيرة للغاية، إذ ذاك حافز للعمل بما يجلب المصلحة العامة "مصلحة البلاد والمواطنين المشتركين بالمواطنة" ويجنبني الخوض في ما يضر بي كمواطن، ومن ثم ذلك يعود بالنفع على كل المواطنين الآخرين الذين يشتركون معي بالمواطنة. 

أما إذا كان الدافع هو الانتماء الهووي "غير المواطنة والهوية الدستورية" فإنَّ الأهداف هنا، ستختلف والدواعي ستكون غير المصالح العامة للمواطنين، إذ سيسعى ذلك "المؤدلج" إلى تحقيق مكاسب جهويَّة أو شخصيَّة، حتى لو كانت على حساب الآخرين أو حتى لو أدت إلى الاضرار بالمال العام أو بالدولة أو بالمواطنين الآخرين.

إذن، كل نشاط محكوم منذ البدء بمنطلقات يقوم عليها، ومن هناك تتحدد الاهداف والدواعي؛ لذا يقال عادةً عند أهل المنطق إن النتيجة تتبع المقدمات، ومن ثم هذه المقدمات تحدد النتائج والوسائل وتنتفي حاجة اللجوء إلى قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة" فما دامت توجد مجموعة قواعد يقف عليها النشاط، وكانت تلك القواعد ناظرة للآخر على أنّه مرآة الأنا، وأن المصلحة العامة محط اهتمام الجميع، وأنها تفضي إلى حياة مشتركة يسودها السلم والشراكة بالمواطنة، فليس هناك من داعٍ لمنطق الغلبة والتنافس الممقوت.