الفن القوطي.. إيمانٌ ورعبٌ وعبقريَّة

منصة 2024/03/10
...

 عفاف مطر
ما الذي يجعل الفن القوطي مؤثراً حتى اليوم؟، فبالرغم من أن أصوله تعود إلى ستمئة عام إلا أن الفن القوطي أواخر العصور الوسطى يعد مبتكراً بشكل مدهش. يخفي الفن القوطي أسراراً غامضة لكن بمجرد فك رموزها تروي لنا قصصاً مدهشة.
في العام 1435 ساد اعتقادٌ أن الفردوس تشبه كنيسة قوطيَّة وقد جسَّدَ الفنّ التشكيلي هذا الاعتقاد، فلوحة (يوم الحساب) لشتيفان لوخنر تصورُ الملعونين وهم عراة وعاجزون يُجرَّون إلى الجحيم ومن بينهم سيدات ورجال طبقة النبلاء وبعض رجال الدين كالبابا والكولونيل وحتى الملك.
لنا أن نتصورَ كم كانت هذه اللوحة مرعبة قبل خمسمئة عام.
يصور لوخنر في لوحته رموز الخطيئة كالجشع والمال والشخص البدين والانغماس في الملذات والاستسلام للشهوة والإدمان على الكحول ونرى في اللوحة حجرَ النرد رمزاً للاعبي القمار.
توفي لوخنر بمرض الطاعون، وكان حينها يموت مئتا شخصٍ يوميّاً بسبب الطاعون، وامتلأت المقابر ولم تعد تتسع للجثث، وفي أيام الصيف الحار كانت تنبعثُ منها رائحة كريهة، وقد جسَّدَ الفن القوطي مشاعر الخوف والهلع بكل وضوحٍ وجمال.
أحجام اللوحات في تلك الفترة تنوعت بين كبيرٍ؛ كجداريات الكنائس ومنها ما لم يتعدَ السنتمترين، الموضوعات الجنسيَّة قَلَّتْ في هذه اللوحات أواخر العصر القوطي لكنها مع ذلك كانت موجودة مثل لوحة "سحر الحب" لم تكن لوحات المذابح الكنيسيَّة تطلب من الفنانين بتكليفٍ من أعضاء مجلس المدينة والكنيسة فقط، بل كان الأثرياء الارستقراطيون وحتى بعض العامَّة يتبرّعون بمثل هذه اللوحات أملاً في تقصير فترة بقائهم في الجحيم وأصبحت المذابح والكنائس تعجُّ باللوحات، لا سيّما ونحن نتحدث عن القرن الخامس عشر حيث ظهور الطباعة.
في 1450 ازداد الطلب على الكتب المطبوعة وكان الناس يريدون رؤية المسيح والعذراء في كتب الصلوات لاستعشار وجودهم، فأضيفت الصور للكتب، وظهر أول عرضٍ طوبوغرافي صحيحٍ للقدس في كتاب كبير فيه فضلا عن اللوحات الدينيَّة لوحاتٌ تعرضُ الحيوانات كالتماسيح والحياة المدينيَّة والأزياء التقليديَّة في طياتٍ متعددة، وسجل رحلة الحج بالمقابل بشكلٍ أدبي.
مارتن شونغاور صور مشهد تعذيب القديس أنتونيوس على النحاس بتفاصيل دقيقة للغاية، ومنها استوحى الفنان الإيطالي مايكل أنجلو إحدى لوحاته، كما صور شونغاور مشهد المسيح وهو يحملُ الصليب، صورة صاخبة بالتفاصيل وانتشرت إلى كل أوروبا وظهرت لوحاتٌ تحملُ الموضوع ذاته.
في الفن القوطي المتأخر تأثر الرسم والنحت بالتصميم الفني، وظهرت اللوحات لأول مرة من دون ألوان، فقبل هذا الوقت لم يكن حتى مجرد تصور لوحة من دون ألوان.
كان الفنانون قبل عصر النهضة يعدّون حرفيين وكانوا من كل الطبقات الوسطى والفقراء وطبقة النبلاء، لكنَّ مفهوم الإبداع الفني لم يظهر إلّا في عصر النهضة.
كانت مراكز الفن الكبرى في شمال الألب تقع في كولونيا وبراغ وجنوب ألمانيا، لكن كان أيضاً بإمكان كنائس الحج الريفيَّة ولما تمتلكه من أموالٍ كثيرة ونفوذ تكليف فنانين مشهورين لعمل لوحاتٍ فنيَّة.
كنيسة تيفي براون في جنوب ألمانيا وفي مذبح مريم المجدليَّة توجد لوحة فنيَّة استثنائيَّة تروي قصَّة حجها إلى جنوب فرنسا.
لوكاس موزور هو صاحب هذه اللوحة العبقريَّة وقد ترك توقيعه على اللوحة وكان هذا غير سائدٍ في ذلك العصر، لوزر فضلاً عن توقيعه ترك لغزاً للعالم فقد أضاف سطراً من الكتابة، وفي القرن الثامن عشر ساد أن هذا السطر مزور، لكنْ بتقنيَّة عصرنا يؤكد عاملو متحف برلين أنّه للوزر فعلاً وليس مزوراً جاء فيه: "أصرخ وتذمّر أيّها الفن فلا أحد يرغب فيك اليوم"، انتشر هذا السطر وكان مثار جدلٍ ونقاشٍ في القرن الثامن العشر، قد يبدو للوهلة أولى أن هذا السطر شكوى وتذمر، لكنَّ الحقيقة أن لوزر كان يمدحُ نفسه، وكأنَّه يقول إن اللوحة تصرخ وتقول إن جميعكم لا تفهمونها لعبقريتها.
1480 أواخر القرون الوسطى تعدُّ مرحلة انتقاليَّة، شهدت الكثير من التطورات الفنيَّة التي أصبحت رائدة في ما بعد.
يصور الفن القوطي موضوعات دينيَّة ودنيويَّة، عشاقاً وقديسين، المثير للغرائز والمفزع، وكان المثير فيه أنّه يتفاعل ويؤثر في أنواعه، فقد نرى تأثير نحتٍ على لوحة خشب أو تمثال أو عمل يدوي صغير.
البحث في تأثير المذابح في العصور الوسطى لم ينتهِ بعد، فعبقريَّة فناني العصور الوسطى وتجسيدهم للظواهر البصريَّة وهم لم يكونوا قد عرفوا بعد حجم الكرة الأرضيَّة مدهشٌ، نحن نتحدث عن عصرٍ لم تكن أميركا قد اكتشفت فيه بعد.
الملاحظات الدقيقة للعالم هي بالضبط ما يجعل الفن القوطي المتأخر مبتكراً ورائداً، وهذا جعله يسبق العلم في اكتشاف الطبيعة ونرى ذلك على سبيل المثال في لوحة شتيفان لوخنر 1440 العذراء في حديقة الورود، لوحة تعكسُ ذروة
العصر القوطي المتأخر، النوافذ تنعكسُ في الياقوت الأزرق، بينما يمثل الحجر الكريم القمر الجديد، لأنَّ هالة مريم العذراء تمثل الفلك "علم النجوم" يكتمل الهلال ليصبح بدراً هو وجه العذراء مريم، فاللوحة
ليست صورة تعبديَّة بحتة، ولا موضوعاً دينياً للصلاة، إنما عملٌ فنيٌّ مكتمل.
الفن القوطي هو اختصارٌ للإيمان، والرعب، والعبقريَّة.