تحولات الأزمنة.. تنويعات أسلوبيَّة ملوَّنة

منصة 2024/03/18
...

 نصير الشيخ

إصرار كبيرعلى تقديم منجز تشكيلي متميز، وإعداد فني تمثل في الجهد المبذول لإبراز القيمة الجماليَّة لدى فناني ميسان، كل هذا حضر في المعرض الفني السنوي الثالث الذي أقامته جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ــ فرع ميسان، في مقر الجمعية بمدينة العمارة.
المعرض ضمَّ أكثر من خمسين لوحة تنوعت بين الزيت والأكرليك، وضمن قياسات اعتمدتها اللجنة التحضيريَّة، حيث شارك 15 فناناً و12 فنانة، في حضور متنوّع عكس أسلوبيَّة كل فنان على حدة، وأبرز طاقاته التعبيريّة في رحلة بحثٍ لتأكيد التجربة من جهة، وتواصلها مع الآخر والذائقة العامة من جهة أخرى.
لا سيما أن الرسم العراقي مساحة واسعة وثرة في تنويعاتها الفنيَّة والأسلوبيَّة والجماليَّة والفكريَّة. وحضر هنا الرسم الواقعي متجلياً في زاوية نظر كل فنان إلى الواقعة، أو المكان المهجور، أو تحولات الأزمنة على الشخوص وحركة الناس.
إذ شكلت الواقعيّة بتنويعاتها المساحة الأكبر في عدد اللوحات المشاركة والمعروضة، وكأنّها تأكيد على الدرس الأكاديمي في قوته وخطوطه وإرادة تنفيذه، ليشكل نسقاً معبراً عن واقع عراقي لصيق بذات الفنان وهي تنظر للعالم وتختبر تغيراته، التقاط الموضوع والاحساس بالأشياء عبر عين الناظر "الرسام" وجلبها برؤية ثاقبة واحترافية عالية من قبل الفنان جاء في أعمال "حسن قاسم الياسري، وأحمد قاسم، وعبد الزهرة وحيد، ومحمد كاظم، وشيماء وأسيل وأفراح هتلر، وعذراء ورسيل وأحمد ونور وايمان نجدي، وفلاح حسن، وحسن رحيم.. وآخرين"، مع مشاركة أعمال لفناني من أجيال مختلفة لتوكيد استمرارية الرسم ونسقه الجمالي، مع تفرد واضح للوحات زاهد الساعدي في نقل البيئة الشعبيَّة والأزقة ومنعطفاتها، ولمسات بطعم الحزن العراقي على وجوه شخوص لوحات فارس اللامي. ما يميز هذا المعرض الحضور اللافت للمشاركة الواسعة لفنانات ميسانيات عبر اللون والجمال، ودرس بلاغي على حضور المرأة في حقل الرسم والفن، وبما يزيد إشراقة الغد ويجدد طعم الحياة.
الأعمال المشاركة أبرزت قدرة كل رسام ورسامة في تناول زاوية ما من الواقع لنقله على السطح التصويري للوحة. وكأن كل واحد منهم يمسك بذكرى عابقة، أو يدوّن ما اختزنته روحه وذاكرته، أو يتماهى مع موضوع ما من عوالم الرسم "بورتريت/ مكان/ سوق قديم/ أبنية متهالكة.. الخ".
المسحة الواقعيَّة في الرؤية والتنفيذ جاءت باحترافية عالية من الفنانين المشاركين، وهذا ما أكدت عليه اللجنة التحضيريّة للمعرض، حيث العمل الفني المشارك على وفق معايير فنيّة وليست شروطاً، غرضها الارتقاء بالذائقة الجماليّة وعدم اندراجها في سلسلة العروض الفنيّة المباشرة "المدرسيَّة".
من هنا أبرزت الموضوعات المنفذة أسلوبيَّة جديدة، ونقلتنا من المشاهدة العابرة للوحة، الى تأمل العمل وقراءة تفاصيله وطريقة تنفيذه وآليات اشتغاله في الضوء والظل وتوزيع الكتل والقدرة اللونيّة المتشاكلة مع المضمون، ومن ثم الحصول على متعة جمالية تصدرها لنا قدرة الفنانين والفنانات المشاركين على إبهارنا في هذه الرسومات.
في التحول الرؤيوي صوب التعبيريّة والتجريديّة وتيارات الحداثة كمساحة اشتغال وتنفيذ مهاري على سطح اللوحة، تميزت أعمال "صبا العكيلي، ونجاة ريحان" من حيث التركيز على الطاقة اللونية المشعة والممتزجة بروحية العمل.
وأكدت الفنانة صبا العكيلي على أن مشاركتي جاءت في المعرض بلوحتين تمثل شخصيات عالميّة، هما الموسيقار الالماني بتهوفن والفنان التشكيلي الرسام الاسباني سلفادور دالي، رائد المدرسة السوريالية، كان الاشتغال بألوان الاكريليك على قماش كانفاس، فريمات دائريَّة الشكل من المدرسة التكعيبيَّة الحديثة.
 تمثل الألوان روح المفردات في أي لوحة أو موضوع أو عمل منجز، فجعلت أغلبها في صفاء من دون تداخل.
تمثل صفاء فن هؤلاء الفنانين وعظمتهم، فهم أصحاب بصمة متميزة في عالم الفن والجمال، فيما تماهت لوحة نجاة مع الطبيعة في رسمها ضمن مخيال فني اندمجت فيه جذوع الأشجار مع مياه النهر.
المعرض السنوي الفني الثالث لتشكيليي ميسان تأكيد راسخ على أسلوبيّة الرسم وانفتاحه على عناصر جديدة في التكنيك واللون ودقة التنفيذ باتجاه تجذير أهمية الرسم في عملية التلقي.