مقامات سيدنا الخضر.. بين الفولكلور وحكايات إيقاد الشموع والأماني

ريبورتاج 2024/03/28
...

 نافع الناجي

حيكت الكثير من القصص والسرديات والأساطير عن الخضر ومقاماته المنتشرة في عموم مدن العراق، حيث قيل إن هنالك أربعين مقاماً للخضر من الموصل وحتى البصرة، ولعل أشهرها مقام خضر الياس في المحلة التي تحمل الاسم  نفسه في جانب الكرخ ببغداد، وهناك قضاء كامل يحمل اسم الخضر يتبع محافظة المثنى، ومنطقة مماثلة في الناصرية وبابل وغيرها كثير.
مقاماتٌ ومزارات
أربعون مقاماً أو أكثر، صاحب هذه المقامات في اعتقاد معظم الناس انه الخضر سيد الماء، الرجل الصالح الذي يطوف على طنفسةٍ خضراء، والذي يمر حين نذكره فيقرأ عليه السلام، هذا ما يعتقده العامة من الناس.
ارتبط اسم قضاء الخضر في محافظة المثنى، بمقام سيدنا الخضر (ع) وهو إلياس أو إيليا ابن ملكان، ولقب بالخضر لأنه كلما وطأ أرضاً أخضرّت من حوله، ورد اسمه في سورة الكهف (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلّمناه من لدنّا علما)، وبهذا رفعه القرآن الكريم إلى مرتبة الأنبياء، والخضر اسمه مشتق من الخضرة رمز الخلود والبقاء، وهو واحد من أربعة لم يذوقوا الموت، وهم الياس والمسيح وصاحب الزمان والخضر، وعن نسبه قيل، الخضر ابن أدم وقيل الخضر موكل بالبحار وإلياس موكل بالفيافي وأنهما أطول الناس عمراً.
وقال بشر الحافي كانت لي حجرة أتعبد فيها فغلقتها وخرجت والمفتاح معي، ثم عدت فوجدت فيها رجلاً يصلي، فقال لا تخف أنا أخوك الخضر، فقلت علمني شيئا قال أستغفر الله في كل شيء تبت منه ثم عدت إليه، والحكايات عن الخضر وحياته وأقواله لا تنحصر ومنها قصته مع النبي موسى (ع) في رحلته الشهيرة.

قضاء الخضر
وبالعودة إلى مدينة الخضر (30 كم جنوبي السماوة)، فقد نشأت في البداية كقرية صغيرة ذات بيوت طينية وأكواخ مشيّدة من القصب والخشب والبردي، وفي العام 1840 ازداد عدد البيوت المشيّدة من الطين واللبن وأول من بنى دارا من الطابوق هو مسعد الحاج جبر وكاظم السيد علي، وأول من استقر فيها هو الشيخ محمد آل عجيرب والحاج محمد المياوي وسدنة مقام الخضر (الكوام)، وأول من فتح محلاً لبيع المواد الغذائية فهو حبيب الشيخ حسن المياوي.
وفي العام 1920 لعب أبناؤها دوراً مهماً في ثورة العشرين، فقد اسقط فالح آل صفر طائرة حربية ببندقيته اليدوية، وتم أسر طيارين كانا على متنها، كما قام الثوار بإغراق الباخرة البريطانية (كرين فلاي)، ولم تزل أخشابها مطمورة بجانب النهر، وفيها قال المهوال حداوي أبو عبد:
بعد عدنا معالم موش مدفونات
المركب بالخضر ما راحن الخشبات
الشاهد عدنا الشاهد.. ذاك المركب هالموجود
وفي العام 1926 أصبحت مدينة الخضر ناحية، وكان أول مدير ناحية لها (نايف آل عاجل) وعيّن من قبل الحكومة في العهد الملكي وبعد وفاته في العام 1940 عين أخوه ناصر آل عاجل، ثم نمت وتطورت إلى أن أصبحت قضاء بموجب المرسوم الجمهوري المرقم 11 لسنة 1971.

الخضر في الفولكلور الشعبي
ومقام الخضر الآن في الصوب الكبير قريباً من ضفاف نهر الفرات، حيث يشيّد جسر حديث هناك، وأسم الخضر دخل في فلكلور المدينة حتى صار أبناء الريف يقسمون به (وحق الخضر حيّ الدار) وكثيرا ما يوقدون له الشموع على كرب النخيل، وفي السبعينيات غنى الفنان ياس خضر أغنيته الشهيرة (شموع الخضر)، ثم كتب الشاعر هادي العكايشي قصيدته (جفّ الخضر) والتي جاء فيها:
أو ننتظر.. والانتظار يطول بينه وننتظر
ونعلك لجيتك يغايب.. كل خميس
شموع بصواني الخضر...
ويقول الشاعر الراحل (عريان السيد خلف) عن مقام خضر الياس:
أگعد بالشريعة گبال خضر الياس
وإشعلهن سنينك
بلچن بالچذب يندگ عليك الباب
والله الحزن واهس والصدگ چذاب

تسميات الخضر
والخضر أخذ اسمه يمتد إلى كل المدن العراقية فهو في ديالى يلقب بـ (خضر الياس)، وفي منطقة خانقين يعرف باسم (خضر زندة) بمعنى الخضر الحيّ، وفي تلعفر له عيد شعبي تشهده المدينة في الثالث من شباط من كل عام، وقبل حلول موسم الربيع يمارس الناس في المنطقة الشمالية تقليداً متوارثاً هو الاحتفال بأسبوع الخضر يرقصون ويهزجون فيه ويوزعون الحلوى، وفي الموصل جامع يعرف بجامع الخضر، وفي بغداد جانب الكرخ هنالك مقام تزوره الأسر، وتوقد له الشموع وتطلي جدرانه بالحناء، وهناك مزارات ومقامات منتشرة في معظم مدن وقرى العراق، فهو دليل التائهين في البراري ومنقذ المحتاجين ومغيث المستغيثين وناصر المظلومين.

خضر الياس
فمن هو الخضر وتحت أي دلائل اتخذت مقاماته التي تزيد على الأربعين مقاماً، أحد أبرزها ذلك الذي يقع مقامه على ضفة دجلة بكرخ بغداد، حيث يقوم بناء بسيط من الآجر، تعلوه قبة صغيرة طليت بالدهان الأزرق السماوي، وقد أحيط المقام بسياج من قطع الكونكريت بطريقة غير منظمة، ويبدو انه شيّد من قبل الأهالي أو من تطوّع لخدمة المقام.
وما يضعه الناس طوعاً في الغرفة الصغيرة التي تتوسط المقام من النذور والهدايا البسيطة، حيث يقصد الناس المقام كل يومٍ للزيارة والصلاة والتبرّك وتقديم النذور وإيفائها أيضاً، وتتضاعف أعدادهم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع.

كرنفال الشموع والنذور
تبدأ تقاليد الزيارة بالصلاة وإيقاد الشموع، التي يثبّت بعضها على مقطعٍ من جذع النخيل أو جسم يطفو فوق الماء كالخشب والفلين، مع أغصان الآس والحناء أحياناً، لتسير في النهر محمّلة بالدعوات والأمنيات المراد تحقيقها، فإذا ما اتجهت الشمعة صوب المقام واقتربت اليه، فتلك إشارة إلى أمكانية تحقيق الأمنية ووصول الدعوة، وفي المساء يمكنك مشاهدة ضياء الشموع منتشرة وسط النهر مكونة منظراً فريداً من نوعه.
وقد وضعت السياسية البريطانية "المس بيل" في مذكراتها (كرنفال الشموع) السابحة فوق دجلة، واعتبرته تقليدا مميزاً وجميلاً لأهالي بغداد.

أصل التسمية
يقول الباحث الفولكلوري زهير هادي "تعود أصل تسمية محلة (خضر الياس) إلى جامعٍ قبل 300 عام كان إمامه يسمى (خضر الياس)، ومنه جاءت التـسمية"، ويضيف "أما ما ذكر في كتب التاريخ عن الخضر فهو يتصادم في معظم الأحيان مع المنطق، بأن سيدنا الخضر هو أطول بني آدم عمراً واسمه (خضرون بن قابيل بن آدم)، أما الخلاف في وجوده إلى زماننا هذا فقيل لأنه دفن آدم، فنالته دعوة أبيه بطول الحياة، وقيل لأنه شرب من عين الحياة، وسائر التفسيرات".

مسنّاة بابليَّة
من جهته يقول الإعلامي والباحث عدنان سمير "حينما تقرر بناء جسر باب المعظم في المنطقة المسماة بخضر الياس، كانت الحكومة على علمٍ بوجود (مسنّاة) بآجر بعضه قديم من النوع المعروف في مدينة بابل، وفي غيرها من أمهات المدن البابلية القريبة من بغداد"، ويضيف "سبب وجود (المسنّاة) في هذا المكان من بغداد، كان لحماية المنطقة من أخطار الفيضانات، وعندما بدأت أعمال التسوية في صيف 1975 لوحظت أجزاء بناية قديمة ممتدة وراء واجهة المسنّاة، باتجاه شارع الامام موسى الكاظم المجاور، وتم خلاله الكشف عن بقايا جدران ضخمة مشيدة بالآجر المربع "الفرشي" مع القار، يعلو سطحها طبعة ختم الملك البابلي الشهير (نبوخذ نصّر الثاني 605 - 562 ق.م"، وهو أبرز ملوك الإمبراطورية البابلية الحديثة".
وترجمة نص هذا الختم تفيد (نبوخذ نصّر ملك بابل حامي "ايساكلا" معبد الإله مردوخ "وايزدا" معبد الإله "نابو" الأبن البكر للملك نبوبلاسر ملك بابل).

قصر نبوخذ نصّر
وبوقوفك قريباً من مقام الخضر يمكنك سماع حكايات متنوعة عن تلك الحادثة، التي أصبح بموجبها هذا الموقع مقاماً للخضر، بعد أن كانت هناك، نافذة صغيرة "رازونة"، وهو ركن لوضع الشموع وطلب النذور لموقعٍ قريب منه.
ويسترسل سمير "كما قلنا فالموقع كتلة صخرية قديمة هي جزء من (المسنّاة)، وكانت مصدات تتقدم قصر الملك نبوخذنصّر الذي كان مشيداً في منطقة (خضر الياس) الحالية، للحيلولة دون صعود الماء إلى القصر في مواسم الفيضان".
وزاد "جرى هدم القصر وإزالة معالمه منذ زمنٍ قديم، ولم يبق منه سوى هذا الجزء، وتم التنقيب في هذه المنطقة أثناء إنشاء الجسر الحالي وعثر على مجموعة كبيرة من الأحجار والرقم المختومة بختم نبوخذنصّر، نقلت لتحفظ في دائرة الآثار والتراث، وأنشئ بنفس المكان في العصر العباسي قصر لعيسى ابن موسى (عم أبو جعفر المنصور)، ثم أزيلت آثار القصر بحكم الظروف الطبيعية وغيرها".
تلك هي الحقيقة التاريخية للمكان، أما ما يشاع الآن على انه مقام للخضر وما شابه، فلا يمت للحقيقة بصلة.

مرويات وأساطير
يقول بعض أهالي منطقة خضر الياس ومنهم منيرة كريم، إن الحكومة سعت في زمن الملك فيصل إلى هدم المسنّاة، وبرغم انهم لم يستطيعوا هدمها في بادئ الأمر، لكننا في المساء مع أذان العشاء سمعنا دوياً وعندما ذهبنا لمشاهدة ما حدث وجدنا المسنّاة قد انفلقت لقسمين، غرق أحدهما في النهر ووصلت الموجة المتكونة عن وقوعه إلى "المجيدية" وتقصد مدينة الطب، فيما بقي القسم الآخر وكأنه قطع بمنشار لنصفين، على حد تعبيرها.
تلك الحكايات وحكايات كثيرة يتكلم عنها الناس بسبب فطرتهم السليمة ونيتهم البيضاء بهذا الكلام غير الواقعي، فيا ترى هل آثار نبوخذ نصر لا تهدمها الجرافات، وهل كان الخضر نبيّ مرسل، أم إنه زار المكان في بلد ألف ليلة وليلة، وغيرها من القصص والمرويات؟!
وختاماً، فمقام الخضر في الكرخ غير معلن في هيئة الآثار والتراث وغير مسجل لدى الوقفين، وباختصار فهو مزار تجاوز على مسنّاة بابلية قديمة.