العراق الثامن عربيًّا في الإنفاق على التعليم.. فهل حققت الأموال غايتها؟

ريبورتاج 2024/03/31
...

  علي غني 

كشفت احصائيات أمريكية عن احتلال العراق مرتبة متقدمة على مستوى العالم في الإنفاق على التعليم، وبحسب الاحصائيات الأمريكية، فإن العراق يحتل المرتبة (87) عالميا من أصل أكثر من (200) دولة بالإنفاق على التعليم، حيث ينفق (4.7‎‎%) من اجمالي الناتج المحلي الإجمالي على التعليم، وعلى المستوى العربي جاء العراق بالمرتبة الثامنة، وعلى الرغم من هذه الاحصائيات المفرحة، كنا نتمنى ان نجد تعليما موثوقا خاليا من الشكاوى بوجود ملاكات تعليمية وتدريسية مقتنعة بمهنتها، لا متهربة منها، أسئلة لا بد أن توصلنا للحقائق فهل سنفتح الأبواب المغلقة في تعليم العراق؟.

أمراضٌ وفوضى

ما زالت أغلب الهيئات التعليمية والتدريسية لا تنعم بالسكن المناسب الذي يليق بها، كما يشكو العديد منهم تكرار الاعتداءات عليهم، وعدم إنصافهم بالرواتب مقارنة بوزارات اخرى كالنفط والكهرباء، فضلا عن أغلبهم يعاني من الأمراض المزمنة كالسكر والضغط والمفاصل من دون حصولهم على رعاية صحية مناسبة تليق بهم كقادة ومربين في المجتمع، إلى جانب عدم حصولهم على الدورات التطويرية خارج العراق، لذلك بقي أغلبهم يعتمد على مجهوداتهم الفردية أو الافادة من خبرات زملائهم الاقدم منهم في ممارسة المهنة، ولا يفوتني ان أتطرق لفوضى الادارات وازدحام الصفوف، والمعارك الجانبية على عدد الحصص وغنائم عيد المعلم، وهذه قصة لوحدها، فكل اسرة من أولياء أمور التلاميذ والطلبة لها معاناتها مع مدرستها بشان (الهدية المناسبة) لعيد المعلم، في حين جرى اعمام من الوزارة بمنع التلاميذ من اعطاء الهدايا  كونها تحدث تفرقة بين المعلمين والمدرسين وتلاميذهم وطلبتهم، ولن اختم ما يعانيه اغلب المعلمين من مضايقات وإهمال من دوائر ومؤسسات الدولة، لا سيما حين يحالون على التقاعد. 


حلولٌ ترقيعيَّة

الباحث المجتهد الدكتور ماهر جبار الخليلي مدير مركز الدراسات والبحوث في كلية الامام الكاظم (ع) لديه بحث رائع عن (عوامل نجاح نظام التعليم في العراق) قال لي بالحرف الواحد: إذا أردت نجاح التعليم عليك توفير الارادة السياسية الحقيقية لتطوير التعليم، بعد ذلك يتم الحديث في وقتها عن معوقات التعليم، فالواقع يشير الى أن الارادة السياسية لم تتوفر لغاية هذه اللحظة، ولذلك يتم اللجوء الى الحلول الترقيعية وليست الجذرية، يمكن اختصارها بمجموعة من المتطلبات الاساسية.

 وتابع الخليلي: إن تطوير التعليم والالتحاق بمنظومة التعليم العالمية من طرق تدريس واجراء بحوث نوعية، تحتاج الى قرار سياسي استراتيجي أهدافه طويلة الامد، ورؤية واضحة وفلسفة تعليم مفهومة ومحددة، وهذا غير متوفر حاليا في النظام التعليمي العراقي، الذي تحكمه قوانين النظام السابق المستندة الى رؤية اشتراكية ومركزية ذات البعد الفرداني، مثل قانون رقم 40 لسنة 1988 وغيرها من القوانين.

ونوه الخليلي، الذي يشغل عضوية نقابة الأكاديميين إلى: أن ملف اختيار القيادات الجامعية من الملفات المعقدة، حيث من المنطق ان تتم عملية الاختيار، وفقا لمعايير علمية مثل الكفاءة وحسن الاداء والقدرة على الانجاز وحجم المهارات القيادية وغيرها، وهذا غير موجود في اليات الاختيار الحالية التي تعتمد على المحاصصة السياسية.

 وافاد: لا بد من الاستمرار في التدريب العملي للقيادات الميدانية وتزويدهم بالكثير من المعلومات والمهارات والأساليب التي تمكنهم من تطبيق هذا النهج الإداري بفاعلية.


المتابعة

فيما بين، ان التميز والابداع والرقي في العمل والمخرجات الجيدة من ناحية النوعية تتطلب قاعدة معرفية كبيرة، وطالب العلم او ما يعبّر عنه بـ(المتعلم) هو محور العملية التعليمية، وعلى هذا الاساس يجب ان يصب اهتمام المصمم والمنفذ للمنهاج التعليمي على رفع كفاءة هذا الطالب، والتحدي الاكبر امام الادارة الجامعية يكمن في تكوين شخصية الطالب في أسلوب التفكير ومن ثم طريقة اكتساب المعلومة، ولكن للأسف هناك خلل في العملية التعليمية من بدايتها التربوية، منذ مراحل النشوء الاولى للتلميذ في الابتدائية والمتوسطة والاعدادية وصولا الى مخرجات التربية الذاهبة الى الجامعات، والتي تعاني بدورها من نوعية الطلبة اولا ثم نصل الى قدم المناهج وطرق التدريس المعتمدة على التلقين.


نظام المحاصصة

ان الاستاذ الجامعي (والكلام للدكتور ماهر)، هو العصب الاساسي في التعليم الجامعي، اذ يؤدّي دوراً مهماً وحيوياً وفعالاً في العملية التعليمية، لهذا فلابُدّ أن يُعَدّ بنحوٍ جيد لتتوائم قدراته ومهاراته العملية مع متطلبات المرحلة القادمة.  

 وعد مستوى الوعي والإدراك المعرفي لدى الأستاذ ومعرفته بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه والأمانة التي يحملها تجاه هذا الجيل لبناء المستقبل، من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الاستاذ الجامعي.

وأحسن اجابة عن سؤالك، لماذا كيف يحصل الطالب العراقي على تعليم جيد؟  فأني اجيبك من خلال عكس المفاهيم المذكورة اعلاه بمعنى ان الطالب العراقي سوف يحصل على تعليم جيد عندما تكون هناك ارادة سياسية حقيقية في تطوير التعليم، وعدم اعتباره وسيلة استرزاق وارباح، وتضع في سبيل ذلك الرؤية العلمية الواضحة والاستراتيجية المنظمة والمحددة والتمويل الجيد والمضاعف لاختصار الوقت، والابتعاد عن نظام المحاصصة في اختيار القيادات الجامعية والادارية.

تغييرٌ حقيقي

ويرى الدكتور المستشار محمد الطائي: انه على الرغم من الانفاق على التعليم لكن لم يرتق عالميا، ولا يحصل الطالب في بلدنا على التعليم الجيد؟ في ظل ضعف الآلية في العملية التعليمية، قد لا تكون عملية تحسين التعليم بالأمر السهل، لكن من الممكن احداث تغير حقيقي على المدى البعيد الاستراتيجي، اذ مع التطور السريع في تكنولوجيا الاتصالات وتأثير العولمة أصبح من السهل الوصول لأي معلومة وبطريقة ميسرة مما يشكل تحديا للأجيال القادمة، وان اعتماد نظم التعليم التقليدية على التلقين والتراكم المعرفي والتركيز على الانجازات اللحظية قد لا يواكب متطلبات العصر الحديث، وعدم الاهتمام بالتخطيط للمرحلة الجامعية يؤدي الى دراسة لا تتناسب مع تطلعات الطالب الاكاديمية لوجود قطيعة ليست دائمة بين المرحلتين الثانوية والجامعية نتيجة التركيز على النجاح.

وتابع الطائي: اذ تتم الدراسة الجامعية بمعزل عن الحياة العملية يؤدي الى انعدام الصلة مع سوق العمل واهمال الجوانب التطبيقية، ويتم التعامل مع الانشطة اللاصفية الثقافية والرياضية والاجتماعية كبرامج ليس ذات جدوى خلال المرحلة التعليمية، والتركيز على دراسة العلوم النظرية والحفظ دون الاهتمام بتنمية المهارات والابداع، ومن الموضوعية أن نعترف بأن الكثير من حملة الشهادات العليا لا يمتلكون قدرا كافيا من المعرفة المطلوبة للحياة الاكاديمية، نتيجة الشغف بالألقاب والدرجات العلمية دون الالتفات الى الأثر الناتج (معطيات العملية التعليمية) ومن الآثار السلبية لهذا التوجه كثرة المراكز التعليمية ذات الطابع التجاري والتي لا تهتم (بمعايير جودة المحتوى التعليمي ISO) يضاف السلوكيات اللاأخلاقية والغش والمبتغى الحصول على الدرجات والنجاح اللامشروع.


دور المؤسسات

 ونوه إلى أن إصلاح العملية التعليمية وصلاحها يحتاج جهد اجتماعي اضافة الى دور المؤسسات ومختصين في الدراسات المقارنة (وهي من اصعب الدراسات) والتي يمكن ان تساعد في النهوض بالتعليم والارتقاء به عالميا، وفق منهج براجماتي، ويكون ذلك بدراسة مهارات الطالب ومحاولة معرفة التخصصات التي تناسب ميوله (الطالب رأس مال التعليم) والاهتمام يبدأ من بداية دخوله المرحلة الثانوية، وعدم تأجيل الأمر الى حيث الانتهاء، والاصلح القيام بزيارة الجامعات للتعرف على اسلوب الدراسة في العلوم وتنمية المهارات واحتياجات كل تخصص على انفراد، وايضا التواصل بين الجامعات ومؤسسات العمل بواسطة الزيارة الميدانية، او دعوة العاملين في المؤسسات لألقاء محاضرات عن طبيعة العمل واحتياجات السوق، والمشاركة في مشاريع مشتركة لزيادة الخبرة العملية في تطبيق العلوم الدراسية الجامعية.


مهارات الطالب

ويرى الكثير من الخبراء (بحسب الدكتور محمد الطائي) إلى  ضرورة الاهتمام بدراسات العلوم الانسانية كمعرفة مجاورة للتخصص الدقيق، لأنها تساعد على تنمية مهارات الطالب في التفكير الإبداعي، اضافة الى توكيد الاهتمام بدراسة العلوم في التخصصات الأخرى، كثقافة موسوعية نظرا لزيادة تداخل العلوم المختلفة في عالمنا المعاصر، ويساعد ذلك على تمكين الطالب على التفكير وتحسين قدرته لإيجاد حلول اكثر كفاءة ومرونة، واثبتت الدراسات الحديثة أن الافراد الذين يعملون في وظائف ليست مرتبطة بالتخصص العلمي والعملي الدقيق لهم القدرة على حل بعض المشكلات بطريقة اكثر فاعلية، والضرورة الاهم والحتمية التركيز على الامكانية ذات النفعية الاجتماعية (الانعكاس في الآخر)، ومدى تطور الطالب (الأنا الشخصي) بعد الانتهاء من مرحلة التعلم والتعليم، وبلدنا له ارث ميثولوجي في الثقافة العالمية وجدير بالاهتمام والتقدير والمحبة والتجلي به الى السماء السابعة.

ويرى الدكتور طالب عبد العزيز/ اختصاص تنمية بشرية: إن التعليم بحاجة إلى مراجعة حقيقية من جميع الجوانب، لان العراق مر بظروف صعبة جدا، وأعتقد أنها أثّرت كثيرا على فلسفة التعليم بالعراق، سيما (جائحة كورونا)، فلذلك على المختصين في مجال التربية أعادة النظر في العديد من المفاهيم التربوية.