هل أخفقنا في صناعة جيل ما بعد 2003؟

منصة 2024/04/08
...







د.اسماعيل موسى حميدي




كل الثورات والانتفاضات العالمية على مر التاريخ يقود حراكها الشباب، لا سيما طلبة الجامعات بحسب الطبيعة السايكولوجية لهذا المرحلة العمرية لما تتسم به من طموح ونزوع وثورية، فتجدهم الجيل المعول عليه لاحداث الانتفاضات والتغيرات السياسية وحتى الاجتماعية في البلدان، وحديثنا في هذا المقال عن الفئة العمرية المتمثلة بجيل   عام 2003 الذين هم اليوم طلبة الجامعات، وهم جيل لم يشهد نظام البعث ولم يعش تلك الحقبة المرة، فهو سمع بها وتأثر بتداعياتها، بالوقت الذي عايش آباء هذا الجيل حقبتين سيئتين، الاولى حقبة البعث والثانية حقبة الفوضى والطائفية التي عاشها العراق بعيد الاحتلال الامريكي.

عند التمعن اليوم في التركيبة الأيديولوجية للشباب نجد أن التوجه الفكري للشباب مختلف تماما عن الأجيال السابقة، التي كانت راضخة لارادة السلطة التي كممت الافواه وصادرت الحريات بصورتها المطلقة، قياسا بجيل ما بعد عام 2003 بحسب مسحة الحرية التي شغلها المجتمع في هذه المرحلة، وسؤالنا اليوم ماهو مستوى النضج الفكري والتربوي الذي يحمله جيل اليوم وهل أخفقنا في صناعة جيل وطني واعد يتحمل المسؤولية الاخلاقية يعبر بالمرحلة، جيل تغذى بالوطنية الخالصة خصوصا ان المجتمع اليوم يعش ظروفا استثنائية وبحاجة لجيل شبابي وطني ينقله من قاع الفساد إلى ضفة الاصلاح.

وبالحقيقة فان عوامل كثيرة ساهمت في صناعة جيل مابعد 2003 مع غياب حقيقي للتأثير الفاعل لدور منظمات المجتمع المدني أو المؤسسات الاخرى، كالمؤسسة الدينية أوالتربوية، فرغم روح الوطنية التي يتمتع بها كثير من هذا الجيل الا اننا اخفقنا في صناعة جيل بمستوى الطموح، وهنا دعونا تقسيم فئة الشباب ما بعد 2003 إلى ثلاثة اقسام بحسب الطبيعة الاجتماعية والفكرية المشخصة لهم وهي كالآتي:

- الفئة الاولى: هم فئة وطنية واعية متطلعة للتغيير وتطمح إلى العبور مدركة مساحة الفوضى، التي يعيشها البلد قياسا بدول الجوار خدماتيا وأمنيا، لذا هي مدركة لطبيعة الفساد الذي يعيشه البلد، وهذه الفئة من الشباب على الرغم صغرها إلا أن لها ثقافة سياسية عالية وعلى اطلاع بتاريخ العراق المعاصر وبطبيعة الأزمات التي عاشها، وبالحقيقة هم فئة واعدة تنقصها القيادة فقط لاحداث التغيير أو الوقوف الحقيقي بوجه الفساد ومحاربته. 

- الفئة الثانية هم فئة تغذت بافكار البيئة الاجتماعية والعشائرية الطائفية التي تعيشها، وثقافتهم مناطقية أو فئوية، وهي محاكاة لثقافة الآباء والمحيط الاجتماعي والطبيعة الدينية والعشائرية، التي تعيشها أسرهم وما حملته من تداعيات جراء النزاعات السياسية التي عاشها البلد في مرحلة ما، وهذه الفئة من الصعب اجراء التغيير الايديولوجي عليها، لأنها تشبعت بالثقافة المجتمعية عن طريق التسرب الفكري والتعايش، لانها امتداد لطبقة طائفية ودينية أو قومية، عانى منها المجتمع العراقي وتحمل ردات فعلها، وتشكل هذه الفئة عاملا تعزيزيا للفئة الأم، التي تتعكز عليها وتوسع مساحتها من خلالهم، وهذه الفئة يمكن تشخيصها من السلوكيات والتمظهرات، من خلال مدح نظام البعث أو من خلال التمسك بالقيادات الدينية أوتعليق صورة لرمز ديني أو حزبي، أو ممارسة سلوك ولائي لجهة حزبية حاضنة لأسرته. لذا إن هذه الفئة امتداد لبيئة أسرية عقائدية تنتمي لجهة معينة.

-الفئة الثالثة: وهم يمثلون المساحة الأكثر وهذه الفئة جاءت كردة فعل للجو السياسي والامني والديني الذي عاشه البلد، فهم جيل كاره للدين غير مبال تربى بثقافة القشور من خلال التواصل الاجتماعي، وهذه الفئة همها اللهو والمرح، تشغلهم دوريات كرة القدم العالمية وتستهويهم الجارجرات والعلاقات العاطفية، فهم فئة غير قيمية يحمِّلون المؤسسة الدينية كل الخراب الذي وقع في البلد، فهم فئة كارهه للدين لالاتقوى على تحمل المسؤولية ولا يهمها خراب البلد من عدمه، وبالحقيقة هذه الفئة هم الأخطر، لأنه من السهولة تجنيدهم فكريا، ليمثلوا الخطر الحقيقي للبد، ولم تعمل الدولة على برنامج حقيقي لاستياعبهم وتحقيق ذاتهم، والتعامل معهم وفق اسس نفسية واجتماعية، لذا كل فئات الجريمة تخرج من تحت عباءتهم.

نعم اليوم قد أخفقنا في صناعة جيل مثالي، نقولها بملء الفم، لذا نعيش اليوم أزمتين معا، ازمة ثقل هذا الجيل، وتداعيات تحمل مسؤوليته وثقل وجوده في المجتمع وأزمة البلد السياسية والاجتماعية التي نعيش معاناتها، نعم كل المؤسسات فشلت في صنع الجيل المثالي، والسبب عدم وضع برنامج تربوي حقيقي، لذلك سوى الشعارات والدعوات، اذا أردنا صناعة جيل وطني حقيقي، علينا وضع ستراتيجية طويلة الأمد، نأخذ بنظر الاعتبار الأبعاد النفسية والاجتماعية لمرحلة طويلة مقبلة، تتبناها الدولة والمجتمع، وفق ضوابط مدروسة بتوفير فضاء مدني، يستوعب الشباب من خلال اعطاء الحقوق قبل الواجبات.