الأغنيات.. ذكريات ومشاعر حاضرة

منصة 2024/04/23
...

 بغداد: نوارة محمد

شّكلت الأغاني وجها من وجوه الذاكرة، ولعبت دوراً مهما في ثقافة الإنسان، وهي أيضا قد فرضت نفسها كمكانة متميّزة في القلوب والعقول، باعتبارها شاهدة على الأحداث.
ويعتقد البعض أن الموسيقى تجسّد أهمية واسعة في كل جوانب ثقافتنا، بل لن نبالغ أبدا إن قلنا إن الأغاني والموسيقى هي تاريخ أيضا، ولها علاقة بصقل ثقافة كثيرين. البعض يستذكر قصصاً شكّلتها الذاكرة الغنائية، والبعض يبين مدى تأثير الغناء والموسيقى على وعيه.
 يقول الروائي نزار عبد الستار إنّ "للموسيقى والغناء ذاكرة عالية المقام في الوعي البشري، وهما يرتبطان بالمشاعر الفطرية التي تحفز الدماغ والقلب وباقي أعضاء الجسم لانتاج هرمونات تعزز الاداء الحياتي وتديمه. النغمة مكون معرفي بالدرجة الأساس وأقدم وسيلة للاستشفاء والشعور بالسلام وتحصيل الاسترخاء وهي نتاج معرفيات صوت الطبيعة الجمالي".
ويضيف أن "تنوع مفاتيح الموسيقى وغزارة ارتباطاتها الوجدانية تجعلها المؤثر الأول. لقد استمعت وأنا في سن 14 سنة إلى سمفونية بيتهوفن التاسعة وتعلقت بها وقتها واخذت تستحوذ على وجداني ما دفعني لفهمها بشكل علمي وبقي تأثير هذه السمفونية مرافقاً لكل تدرجات وعيي وأنا استمع إليها دائما في أوقات فراغي وأجدني مشدودا لعذوبيتها الروحيّة، فهي تجدد طاقتي وتجعلني شديد الحساسية تجاه الأفكار الخلاقة".
 ويؤكد أنه "على مستوى الصوت البشري فإن الأثر يكاد أن يكون متقاربا لما في جمال الصوت من تأثير فعال على كل مراحل نمو الإنسان"، موضحا "لقد ترسّخ في أعماقي الصوت الشجي لعبد الحليم حافظ، وهو صوت لا يمكنني فصله عن تكويني العاطفي، فعندما استمع إليه أجدني أكثر قدرة على التفاهم مع العالم المحيط". ويشير الى "أن الموسيقى والغناء هما توطين أبدي للطبيعة البشرية السوية ولهما القدرة على تعزيز تربة الإبداع ومعاضدة الكتابة والرسم والتمثيل"، وهذا ما يجعل الموسيقى والغناء من أهم مكونات الخلق"، وفقاً لتعبيره.
من جهته، يرى الكاتب مصطفى وجدان أن الكاسيت في التسعينيات الذي عدّه كثيرون حافظة وجدانهم ووثيقة أحلامهم، صراعاتهم وأحزانهم جسّد هوية المدينة التي كانت تمر حينها بمنعطفات كثيرة وجَسّد ذاكرة طويلة عاشت معنا وعشناها في تلك الفترة. ويقول إن "الاغنيات في تلك الحقبة التي ملأتها الحروب وسنوات القحط أتذكر جيداً كيف كُنا نجمع الدراهم المعدودة بيننا كأخوة لنحتفل بالاستمتاع الى ما يطرحه رواد ذلك الجيل مثل كاظم الساهر، وهيثم يوسف، ومهند محسن، وجلال خورشيد، بعد ربع قرن من ذلك رحلت تلك الأيام وبقيت الأغاني عالقة في الذاكرة". ويضيف: حين عاد حاتم العراقي ليغني في مهرجان بابل، عادت معه ذاكرة جيل كامل، أتذكر جيداً أننا كُنا نقطع المسافات كي لا نفوّت واحدة من حفلات كاظم الساهر، وأتذكر جيداً صوت مهند محسن وإحساسه الذي يسيطر علينا لحظة دخوله المسرح، يبدأ الكوبليه الأول "ما يهمك لا ملامة ولا كلام.. حتى لو بيني وبينك بس سلام" ويخطر ببالي وجه حبيبتي التي أقسمت أنها لم تمر ليلة من دون أن تستمع لهذا الكاسيت. الأغنية العراقية اليوم تواجه المصير ذاته، والإيقاع السريع يفرض سيطرته على الذوق العام، مثلما تفرض العولمة الحديثة إيقاعها السريع على حياتنا.
ويؤكد أن "هذا النوع من الموسيقى المستشري خصوصاً عند شُبان الجيل الجديد يعكس انحدار مستوى الوعي ويعكس ثقافته، وهو لا يخلو من انعكاسات خطيرة أولها وآخرها انعدام الذوق الفني، الأمر الذي ينتج أفراداً من دون حسٍّ جمالي وفني".
من جهته يقول الشاعر والكاتب علي وجيه إنّ "الأغنية هي واحدة من أغرب اختراعات البشريَّة، وهي ذات تأثير عجيب وقد تكون ذات تأثير أساسي فيمكن للأغنية أن تستدعي الرائحة، أو أن تستدعي اللمسة أو أن تستدعي اللحظة ومهما تبدو السنة بعيدة، أو الحدث بعيداً يمكن للأغنية أن تعيده في لحظة واحدة وبالنسبة لشخص مثلي تعود أن يسمع كثيراً للغناء منذ طفولته "أنا أدين للأغنية بكل جيد وسيئ في حياتي"، بحسب تعبيره.
في مواقف ومناسبات كثيرة كتبت عدة نصوص عن تأثير الأغنية في حياتي ومضى هذا التأثير، بأن يكون كتابته عن الأغنية وعن المطربين الأغنية هي بيت بطريقة ما تتعدد غرفه من جهة ويتعدد ساكنها من بين ساكنين جيدين بين ذكريات جيدة وذكريات سيئة وهي حاضرة تسحبنا إليها بلحنها ونغمها وكلماتها. الإعلاميَّة والصحفيَّة زينب المشّاط ترى أنَّ الموسيقى والأغنيات تحديداً فيها يختلط الذوق الفردي والتاريخ العام، الأحداث الشخصيّة مع الأحداث الكُبرى، تتقدم الأيام وترحل السنوات لكنها سرعان ما تعود على أثر أغنية، فأنا منذ أن كبرت شعرت أن شيئاً ما ينقصني وجدتهُ في الموسيقى وبدأت أدوّن كوبليهات الأغاني، وهذا الأمر أثر بي على الصعيد الشخصي كثيراً فأنا قررت أن أصبح كاتبة وناقدة منذ أن تأثرت بالموسيقار محمد عبدالوهاب، تأثير قصص أغنيات فيروز على كان واضحا منذ صِباي، وكنت حين استمع لعبد الحليم حافظ يُخيل لي أنني سأكون صحفيّة أو إعلاميّة وأجري مقابلة صحفيّة مع إعلام الطرب الغنائي والموسيقي. وتبيّن المشّاط أيضا أن "اليوم غاب عنا طابع الاصالة في الفن، وبدا العبث والارتجالية في الإنتاج يستشري، كما لو أن الأمر لا يرتبط بالفن الموسيقي، لا أدري ماذا لو لم نعاصر هؤلاء الذين رحلوا عن عالمنا هل سيدرك صناع طرب الجيل الجديد أهمية الموسيقى وجماليتها وتأثيرها المهم على شخصية الإنسان ككل". وأنا أقول حين استمعت لأغنية "أغدا ألقاك" أول مرة لم أشعر أنني أحلق فحسب، كان ما هو أعمق من ذلك، إحساس دقيق بأن مشاعري ترقص مع الإيقاع، وهذا سلوك في غاية الاحتراف والرهافة.